أفاد تقرير لوكالة "بلومبيرغ" أن المصريين أضحوا يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على بعض السلع الاستهلاكية، لاسيما الملابس والسيارات و مواد أخرى من الماركات العالمية التي قد تصنف ضمن "سلع الرفاهية".

ويتزامن ذلك مع معاناة اقتصاد البلاد من قلة سيولة الدولار والانخفاض النسبي لقيمة العملة المحلية.

وفي حين توجد السلع الأساسية بوفرة، بات واضحا وجود نقص  في الكثير من المنتجات التي تحمل علامات تجارية معروفة، بدءاً من الملابس الصيفية وليس انتهاء بالسيارات المستوردة، فقد تراجعت اختيارات المستهلكين في اقتناء ملابس وأزياء تحمل ماركات مثل مانغو"Mango" وزارا "Zara" وإتش آند إم "H&M".

وأما بالنسبة للواردات من السلع الغذائية الأجنبية مثل حبوب الإفطار واللحوم المصنعة (هوت دوغ) ورقائق البطاطا (الشيبس) وغيرها من أنواع صلصة البيتزا والشواء، فإنها أصبحت قابلة للنفاذ بسرعة والحصول عليها أمسى يزداد صعوبة يوما إثر، وذلك وفقا لما ذكر متسوقون لوكالة "بلومبيرغ".

"لا أصدق عيني"
وأوضحت سيدة أطلقت على نفسها اسم "أم ليلى"رافضة كشف هويتها لأسباب تتعلق بسلامتها أنها:عندما ذهبت لشراء بعض الملابس الصيفية لأطفالها الثلاثة وجدت معظم المتاجر تعرض أشياء أساسية للغاية بالإضافة إلى ملابس شتوية مختلفة رغم أن فصل البرد ما زال بعيدا.

ولفتت تلك السيدة إلى أن بائعا في متجر بأحد مراكز التسوق بالعاصمة المصرية، القاهرة، قد ألقى باللوم إزاء ما يحدث على المخزونات التي أوشكت على النفاد، قائلا لها إنهم اضطروا لوضع الملابس الشتوية لملء الأرفف الفارغة.

وزادت أم ليلى قالت: "لم أصدق ما رأيته بعيني".

ووفقا لخبراء فإن كل ذلك النقص في تلك المواد هو ناجم عن سياسة تطبقها الحكومة منذ حوالي 6 شهور، إذ شددت الرقابة على الواردات حفاظا على العملة الصعبة، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات إضافية دعماً لماليتها العامة، وكل ذلك وهي تخوض محادثات مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج جديد لحماية الاقتصاد البالغ حجمه 400 مليار دولار.

"نقص بالعملة الصعبة"
وقدر مصرف"غولدمان ساكس" أن مصر قد تكون بحاجة من صندوق البنك الدولي إلى حزمة بقيمة 15 مليار دولار للوفاء باحتياجاتها خلال السنوات الثلاث المقبلة، بيد أن وزارة المالية المصرية كانت قد أكّدت سابق أن المبلغ المطلوب أقل من ذلك، خاصة وأنها حصلت على تعهدات بأكثر من 22 مليار دولار على شكل ودائع واستثمارات من السعودية والإمارات وقطر.

وأوضح الخبير الاقتصادي في بنك "غولدمان ساكس"، فاروق سوسة، أن كل ما سبق يؤكد أنَّ "هناك نقصاً بالعملة الصعبة لدى الحكومة المصرية"، مستشهداً بتدهور صافي الأصول الأجنبية للبنوك وتراجع الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي.

من جانبها أشارت الخبيرة الاقتصادية في "ستاندرد تشارترد"، كارلا سليم، إلى أن إدارة العملة في مصر ربما تكون حالياً محط تركيز بالغ الأهمية في مناقشات القاهرة مع صندوق النقد الدولي.

ونبهت إلى أن الصندوق "سوف يجعل على الأرجح مرونة سعر الصرف أولوية"، وهنا تجدر الإشارة إلى هذا بالفعل من كان من بين طلبات الصندوق الدولي عقب تخفيض قيمة العملة المصرية في مارس بالإضافة إلى حثه القاهرة على إجراء المزيد من الإصلاحات العميقة.

"أسوأ أزمة صرف"
وكانت مصر باعتبارها أكبر مستورد للقمح في العالم، أحد أكثر الاقتصادات الناشئة الأكثر عرضةً للصدمات التي عصفت بأسواق السلع بعد غزو روسيا لأوكرانيا. 

وقد ساهمت موجة التضخم وما يرافقها من اضطرابات بنشوب أسوأ أزمة على صعيد سعر الصرف، منذ أن أدّت ندرة الدولار في السوق قبل 5 أعوام إلى خفض قيمة الجنيه، ودفع الحكومة في نهاية المطاف طلب قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار.

ويبدو أن إجراءات الحكومة المصرية منذ بداية العام لكبح الاستيراد قد سلطت الضوء، بحسب خبراء، على كيفية اجتذاب مصر لمستثمري المحافظ الدوليين، وذلك بالتزامن مع سعيها الدؤوب لجذب رأس مال أجنبي على المدى الطويل.

ولكن تلك الإجراءت قد جعلت الاقتصاد مكشوفاً عند اقتراب تأثيرات الصراع في أوروبا من البلاد، إذ أدّت العجوزات المالية الراسخة في الحساب الجاري، والمستمرة منذ أكثر من عقد، إلى الاعتماد على التدفقات الأجنبية المتقلّبة إلى الأوراق المالية المحلّية لتمويل النقص المزمن في سلة العملات الصعبة.

في غضون ذلك، شهد الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي طالما روجت له السلطات باعتباره أولوية، ركوداً بعد انتعاش قصير، إذ أبقت الحكومة على استقرار الجنيه إلى حدٍّ كبير، بعد تخفيض قيمته في عام 2016، إلى أن سمح البنك المركزي له بالتراجع بشكل حاد في مارس 2022.

وانخفضت العملة المحلية يوم الثلاثاء إلى ما يزيد عن 19 جنيهاً مصريا للدولار للمرة الأولى منذ يناير 2017. مما أدّى لتراجعها بنسبة 3% تقريباً عن أدنى مستوى سجلته عام 2016، بحسب بيانات جمعتها وكالة "بلومبيرغ".

وكانت القاهرة قد أعلنت في مايو أنَّ المستثمرين الأجانب سحبوا نحو 20 مليار دولار من سوق الدين المحلية منذ بداية 2022، في حين انخفض صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري، والتي كانت تنمو منذ منتصف عام 2020. 

ولتقليل الطلب على الدولار، طبّقت القاهرة نهجاً، يُلقى باللوم عليه في حال حدوث فجوات بالمعروض من بعض المنتجات، وباشرت الحكومة المصرية منذ فبراير بمطالبة المستوردين بتأمين "خطاب اعتماد" من مصارفهم حتى يتمكنوا من شراء البضائع المستوردة.

قال موظف في شركة مصرية رئيسية تبيع السلع الاستهلاكية الأجنبية إنَّ وارداتها تراجعت من إجمالي شهري يبلغ حوالي 25 مليون دولار إلى حوالي مليون دولار في الأشهر الأربعة التي أعقبت تطبيق القواعد الجديدة. 

وأضاف الموظف الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أنَّ جميع السلع المستوردة قد نفدت حالياً.

وفي سياق ذي صلة، تفاقم مأزق شركة مصرية تستورد السيارات، إذ لم تحصل على موافقة واحدة لجلب سيارات من الخارج منذ نهاية مارس، بحسب أحد الموظفين بالشركة.

وفي حين أن القواعد الجديدة قد منحت إعفاء لعدد من المنتجات الضرورية، بما في ذلك الأدوية وبعض المواد الغذائية، ولا تُطبّق إلا على المعاملات التي تتجاوز 5 آلاف دولار، فإن الإجراء الجديد الحصول على الاعتمادات بات عملية أكثر تعقيداً من ذي قبل، مما تسبب بارتفاع التكاليف وتأخير في الأعمال التجارية.

المصدر :