ينظر الشرق الأوسط إلى ما يجري في فيينا بقلق، لكن تقريرا نشره موقع "أتلانتيك" يقول إن على طهران أن تقلق أكثر، لأن ما سيجري في فيينا سيحدد بشكل كبير مستقبل إيران في المنطقة.

تضايق إيران خصومها في الشرق الأوسط، فهي على الرغم من التدني النسبي لإنفاقها العسكري، وتدني صادراتها النفطية، والعقوبات التي تشل نظامها الاقتصادي والخدماتي، تدير "حربا رخيصة" بحسب موقع أتلانتيك التحليلي، و"تتباهى بأنها تسيطر على أربع عواصم عربية، هي بيروت ودمشق وصنعاء وبغداد"، كما يقول التحليل.

تدير طهران شبكة من الميليشيات تقوم من خلالها بـ"التشبيك على السلطة" و"سحب الموارد المحلية"،  و"تشكيل حلقة من النار تطوق المملكة العربية السعودية بشكل أساسي"، على الرغم من أن عدائها المعلن هو مع إسرائيل.

وفي حين إن جيرانها الخليجيين أكثر ثراء وأفضل تسليحا، إلا أن "النهج الإيراني الأرخص يعطيها ميزة، خاصة إذا ما دمج مع برنامج نووي يتقدم باضطراد".

ونقلت أتلانتيك عن الأمير السعودي تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية السابق قوله إن "إيران تمسكنا من مكان حساس".

البرنامج النووي
طهران أملت في أن تبشر رئاسة، جو بايدن، بعودة سهلة وسريعة إلى الاتفاق النووي الذي انسحب منه، دونالد ترامب، ومعها سيأتي رفع للعقوبات.

لكن إدارة بايدن كانت أكثر تشددا مما توقعه الإيرانيون، وبعد مرور عام تقريبا على تولي بايدن منصبه، لا تلوح في الأفق أي بشائر للاقتصاد الإيراني الذي انكمش بنسبة 7 في المائة من عام 2019 إلى عام 2020، وارتفعت صادرات إيران من النفط إلى 2.5 مليون برميل يوميا في عام 2016، بعد دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، ثم انخفضت إلى 400 ألف برميل يوميا في عهد ترامب.

وفي عهد بايدن، ارتفعت صادرات النفط، ولكن بالكاد، كما لا تزال إيران غير قادرة على الوصول إلى 100 مليار دولار من احتياطياتها الأجنبية.

وتحتاج إيران إلى هذه الأموال لتحقيق الاستقرار في عملتها الوطنية، والحفاظ على اقتصادها، ودرء الاحتجاجات.

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذا، لا تبدو إيران في وضع يسمح لها بالتنازل، حيث تواصل تمويل وتطوير برنامجها النووي وتستعرض قوتها إقليميا.

وينقل الموقع عن إيراني مقيم في الخارج، طلب عدم الكشف عن هويته لأنه لا يزال يسافر بانتظام إلى طهران، قوله إنه "على الرغم من أن إيران غير قادرة على إنفاق ما كانت تنفقه على حلفائها ووكلائها الإقليميين، لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه طهران هو المشهد الإقليمي المتغير بسرعة - ولهذا السبب تحديدا لا يمكنها التوصل إلى حل وسط في المحادثات النووية".

ويضيف، "أولا، هناك الضربات الإسرائيلية المستمرة على الأصول العسكرية الإيرانية في سوريا والتخريب المشتبه به للطاقة الإيرانية أو المنشآت النووية على مدى العامين الماضيين"، و"في داخل سوريا، يتعين على إيران أيضا أن تتعاون وتتنافس أحيانا مع الجيش الروسي الأقوى، الأمر الذي يضعف بعض قوتها على الأرض".

الخيار العسكري
وقالت صحيفة جيروزاليم بوست إسرائيل تحاول الدفع باتجاه إجراء عسكري قوي ضد إيران في حال فشل الغرب بإقناعها بالعودة غير المشروطة إلى الاتفاق النووي، والعودة عن مستويات تخصيب اليورانيوم المرتفعة التي وصلت إليها، وكذلك التخلي عن اليورانيوم المخصب الذي تمتلكه.

ودعا وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، العالم إلى تصعيد التهديد لإيران من أجل ردعها عن تطوير سلاح نووي.

وفي اجتماع مع الرئيس الفرنسي، ماكرون، أكد لابيد أن إسرائيل تنظر إلى المحادثات على أنها محاولة من طهران للمماطلة في تقدم برنامجها النووي، ويجب أن يكون لدى العالم خطة بديلة.

وقال لابيد "يجب عدم رفع العقوبات عن إيران"، وأضاف "يجب تشديد العقوبات، ويجب وضع تهديد عسكري حقيقي أمام إيران، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لوقف سباقها لتصبح قوة نووية".

وجاء الاجتماع مع ماكرون بعد يوم واحد من نقل لابيد رسالة مماثلة في اجتماع مع رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون.

ويعتزم وزير الدفاع، بيني غانتس، التوجه الى واشنطن الأسبوع المقبل لمناقشة التهديد النووي أيضا، بحسب جيروزالم بوست الإسرائيلية.

وتمتلك إسرائيل حلفاء أقوياء، مثل الولايات المتحدة، كما إن اتفاقيات السلام التي وقعتها مؤخرا مع بلدان عربية قوت من وضعها الإقليمي بشكل كبير، وهي وإيران لا يخفيان عداءهما الكبير لبعضهما البعض.

وفي حين إن إيران تمتلك ميليشيات وحلفاء قريبين من إسرائيل، إلا أن تأثيرهم عليها محدود.

العراق ولبنان
الغضب الشعبي الذي اندلع في بيروت وبغداد، خلال تظاهرات حاشدة ضد الفساد والطائفية أربك إيران أيضا، خاصة إن الكثير من المتظاهرين في البلدين لم يكونوا متحفظين وهم يهاجمون علنا إيران، ويتهمون الميليشيات التي يقولون إن طهران تدعمها بالمسؤولية عن تدمير بلادهم وقتل زملائهم.

ويقول التحليل إن "تدخل إيران في لبنان والعراق لم تجلب أي فوائد اقتصادية لسكان هذين البلدين، وفي الوقت نفسه يغرق البلدان في حالة من التلف الاقتصادي".

وينقل عن، كريم سادجادبور، المحلل الإيراني في مؤسسة كارنيغي وصفه هذه الديناميكية بأنها "محور البؤس".

ووقعت احتجاجات عام 2019 بينما كان الإيرانيون أنفسهم يتظاهرون ضد حكومتهم، وكانت التظاهرات والحراك من مختلف الأنحاء "من بين أشد التحديات التي واجهها قاسم سليماني" القيادي في الحرس الثوري، والذي اتهم من قبل الكثير من الناشطين بالتورط في حركة القمع في البلدان الثلاثة.

ولكن مقتل سليماني بغارة أميركية، وجه صدمة لم للجهود الإيرانية في البلدان التي تمتلك فيها نفوذا.

وفي العراق يقول التحليل إن التحول المزاجي ضد طهران أدى إلى دحر حلفاء إيران في الانتخابات البرلمانية التي جرت الشهر الماضي، ومع أن "هذا لا يعني أن نفوذ إيران في العراق تراجع، ولكن يعني أن هناك ضعفا في قبضتها على البلاد".

وبعد شهر واحد فقط من الانتخابات، نجا رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، من محاولة اغتيال في بهجوم بطائرة بدون طيار على مقر إقامته، وألقى محللون باللوم على ميليشيات تابعة لإيران بالتورط في محاولة الهجوم.

ويقول التحليل "إذا كانت إيران قد أمرت بالهجوم فإن هذه الخطوة تدل على غضب وانعدام في الأمن؛ وإذا لم تفعل ذلك، فإن محاولة الاغتيال تشير إلى ضعف في سيطرتها على الميليشيات".

وفي لبنان، ردد المتظاهرون شعارات ضد حزب الله الذي تدعمه إيران وزعيمه حسن نصر الله، للمرة الأولى، بما في ذلك في بعض المدن التي يزداد فيها نفوذ الحزب.

ويقول التحليل إن جماعات المعارضة في لبنان تأمل في تكرار بعض النجاح الذي شهده العراق في انتزاع المقاعد البرلمانية بعيدا عن حزب الله وحلفائه خلال انتخابات العام المقبل.

إدارة بايدن
استضاف العراق مؤخرا محادثات بين المملكة العربية السعودية وإيران، كما زار وزير خارجية الإمارات دمشق، ووضع الأردن ومصر مقترحات للمساعدة في معالجة أزمة الطاقة في لبنان، كما وقعت الأردن وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة على اتفاق منفصل للطاقة، وهذا بحسب التحليل "نشاط لم تشهده المنطقة منذ سنوات".

ويقول التحليل إن الجهود الرامية لتخفيف التوتر في المنطقة، وتصفير الأزمات، تضعف من نفوذ إيران في النهاية.

ويبدو أن إدارة الرئيس الأميركي بايدن تدفع بهذا الاتجاه، بالتوازي مع الضغط على إيران للعودة إلى الاتفاق النووي.

وتظهر السعودية نوايا للاستثمار الاقتصادي في العراق، مما قد يسهم بتقليل احتياج البلاد إلى الطاقة المستوردة من إيران، والتي ينظر إليها بعض المحللين الاقتصاديين بشكوك.

كما أن العراق يقول إنه يريد أن يقوم باستغلال مخزونه الاستراتيجي الكبير من الغاز لتوليد الكهرباء، بدلا من شراء الغاز والكهرباء من إيران.

ويقول التحليل إن كل هذا النشاط الإقليمي يحدث مع تنسيق الولايات المتحدة بهدوء في الخلفية، وتشجيع بعض التحركات مع تثبيط أو تجاهل تحركات أخرى مثل المبادرات المقدمة للأسد، ولكن بشكل عام الانخراط في دبلوماسية أكثر بكثير في جميع أنحاء المنطقة.

ويختم التحليل بالقول إن "الأزمة دائما قاب قوسين أو أدنى في الشرق الأوسط، وإذا لم تذهب المفاوضات النووية مع إيران إلى أي مكان، فإن التوترات ستتصاعد مرة أخرى بسرعة".


المصدر : الحرة