خلال الساعات الـ48 الماضية اشتعلت جبهات الريف الشمالي لمحافظة اللاذقية، شمال غربي سوريا، "من الخلف"، على عكس السائد منذ سنوات طويلة، فبعد "تهديد وتمهيد" شنت "هيئة تحرير الشام" حملة أمنية ضد جماعات متشددة أخرى، غالبية مقاتليها من الأصول الشيشانية.

وتأتي هذه الحملة، بحسب خبراء شؤون المتشددين، في إطار "خطوات الإقصاء المتواترة" التي تقودها "تحرير الشام"، وقائدها أبو محمد الجولاني، لأهداف واعتبارات غير واضحة المعالم، فيما تصب بجزء كبير ضمن محاولات "نزع صفة الإرهاب"، لضمان مستقبل ما في مرحلة لاحقة.
ومن بين الجماعات المستهدفة تنظيم "جنود الشام"، الذي تعود غالبية أصول مقاتليه إلى الشيشان، ويتزعمه، مراد مارغوشفيلي، المعروف داخل الأوساط المتشددة باسم "مسلم أبو وليد الشيشاني"، وينحدر من قبائل شيشانية مقيمة في جورجيا.
التنظيم المذكور الذي أعلن عن تشكيله عام 2012 ينشط بشكل أساسي على الجبهات العسكرية في مناطق ريف اللاذقية الشمالي (جبل التركمان)، وريف محافظة إدلب الغربي (مدينة جسر الشغور ومحيطها)، وكان شارك في السنوات الماضية في عدة معارك كبيرة إلى جانب "تحرير الشام"، كالمعارك الأولى التي شهدتها مناطق اللاذقية أثناء السيطرة على "القمة 45 الاستراتيجية"، وصولا إلى معارك "سجن حلب المركزي" في مدينة حلب، ومؤخرا إدلب.
وبالإضافة إلى "جنود الشام"، استهدفت الحملة الأمنية مجموعة "جند الله" التي يقودها المدعو "أبو فاطمة التركي"، وبحسب تقارير إعلامية تعود أصول غالبية مقاتليها إلى منطقة القوقاز، وبالتحديد أذربيجان.
إقصاء من أجل الانفراد
تعتبر "هيئة تحرير الشام" أبرز التشكيلات العسكرية التي تسيطر على مناطق شمالي غربي سوريا، سواء من الناحية العسكرية على الأرض، أو الإدارية، والاقتصادية، وصنفت منذ الإعلان الأول لها تحت اسم "جبهة النصرة" على قوائم الإرهاب الدولية، لاعتبارات العقيدة المتشددة التي تسير فيها من جهة، وبسبب ارتباطها السابق بتنظيم "القاعدة" العالمي، على الرغم من انفكاكها عنه من جهة أخرى.
وعلى مدى السنوات الماضية لم يأت انفرادها بالسيطرة على شمالي غربي سوريا عن عبث، بل جاء بموجب خطوات مدروسة ومتواترة، أولا بتصفية فصائل الجيش السوري الحر" سابقا واحدة تلو الأخرى، ومن ثم التوجه لإقصاء التنظيمات الإسلامية الأخرى، مثل "حركة أحرار الشام الإسلامية" و"حركة نور الدين الزنكي".
وبعد ذلك توجهت "تحرير الشام" لإقصاء التشكيلات المتشددة على نحو أكبر، وبدا ملاحظا منذ عامين الحملات الأمنية التي أطلقتها ضد تنظيم "حراس الدين" التابع لتنظيم "القاعدة"، الأمر الذي مكّنها من تفكيكه بشكل شبه كامل، واعتقال غالبية القادة الذين يسيّرون نشاطاته في المنطقة.
ومع التطورات الحاصلة حاليا، تكون محطة "الإقصاء" التي تسير فيها "النصرة" سابقا بلغت المقاتلين الأجانب، وخصوصا الشيشانيين منهم.
وهؤلاء كانوا قد وصلوا إلى سوريا منذ عام 2014، وبرزوا على واجهة القتال في أثناء المعارك الأولى بجبال محافظة اللاذقية، التي بقوا على جبهاتها حتى وقتنا الحالي.
اتفاق.. وحملات قائمة
أحمد الشامي، ناشط إعلامي مقيم في ريف اللاذقية الشمالي، يقول إن حملة "تحرير الشام" ضد "التشكيلات الشيشانية" بدأت منذ فجر الاثنين، واستخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والدبابات.
ويضيف الشامي لموقع "الحرة": "المواجهات لا تزال مستمرة حتى اللحظة، لكن بوتيرة أقل قياسا بالساعات الأولى لها. هناك اتفاق تم التوصل إليه بين تحرير الشام وتشكيل جنود الشام، بعيدا عن مجموعة جند الله التي يقودها أبو فاطمة التركي".
واطلع موقع "الحرة" على تفاصيل الاتفاق الذي توصلت إليه "تحرير الشام" مع قائد "جنود الشام" أبو مسلم الشيشاني، حيث قضى بخروجه مع 70 مقاتلا من مناطق ريف اللاذقية الشمالي، إلى منطقة أخرى لم تحدد.
ونص الاتفاق أيضا على إجبار "الشيشاني" على تسليم المطلوبين داخل التشكيل الذي يقوده، على أن تبقى الحملة الأمنية مستمرة ضد "أبو فاطمة التركي"، المتهم من جانب "تحرير الشام" بـ"إيواء مطلوبين ومتورطين في قضايا أمنية".
بينما نشر ناشطون من شمالي سوريا تسجيلات مصورة في الساعات الماضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت خروج "الشيشاني" مع مقاتليه من جبهات ريف اللاذقية الشمالي، التي تعتبر من أبرز الجبهات التي تفصل المناطق التي تسيطر عليها المعارضة عن تلك الخاضعة لسيطرة النظام السوري وحلفائه في شمالي غربي البلاد.
إعادة تشكيل الفضاء الجهادي
بالصورة العامة قد يكون توجه الجولاني، المصنف على قوائم الإرهاب الدولية، لتصفية التشكيلات الأجنبية المذكورة أمرا لافتا، إلا أن ذلك يأخذ مسارات باتت "شبه اعتيادية" على المستوى الداخلي، خاصة أن هذه الخطوة ليست الأولى من نوعها في إدلب، بل سبقتها عدة خطوات تمكنت من خلالها "تحرير الشام" القضاء على عدة فصائل سواء "معتدلة" أو "متشددة" تتشاطر معها ذات العقيدة و"المنهج".
ومنذ عامين، لفتت الانتباه تغيرات طرأت على سياسة "هيئة تحرير الشام" الداخلية والخارجية على الخصوص، في محاولة من قائدها الجولاني الظهور بمظهر "المعتدل" أمام المجتمع الدولي، بعد سنوات من الممارسات "الإرهابية"، وهو الأمر الذي أشار إليه خبراء بشؤون الجماعات المتشددة.
ويقول الباحث الأردني في شؤون تلك الجماعات، حسن أبو هنية، إن التطورات المذكورة تصب في إطار "الاستراتيجية البراغماتية المحسوبة دائما من جانب هيئة تحرير الشام".
ويرى أبو هنية في حديث لموقع "الحرة" أن "الهيئة تحاول إعادة تشكيل الفضاء الجهادي، وإثبات إنها القوى الوحيدة في شمال غرب سوريا، الأمر الذي يدخلها ضمن حسابات معينة".
ويضيف الباحث: "كل هذه التحولات التي حاولت تحرير الشام تقديمها للتخلص من وسم الإرهاب واعتبارها قوى جهادية وثورية تصب في إطار إعادة استدخالها على الأقل من طرف تركيا بكل تأكيد، وأميركا بشكل أساسي".
ودائما ما تنفرد "تحرير الشام" بالحركات الأخرى في شمالي سوريا واحدة تلو الأخرى. بدءا من فصائل "الجيش الحر"، ومن ثم "حركة أحرار الشام"، وأخيرا بحلفائها المنشقين عنها "تنظيم حراس الدين"، والآن الجماعات الأجنبية، منهم "الشيشان".
وبحسب أبو هنية: "من الواضح أن هدف تحرير الشام إعادة ضبط مناطق شمال غرب سوريا وإدلب، وبالتالي تقديم حجج أو براهين للأتراك ومخاطبة الآخرين كالولايات المتحدة بأنها تغيرت فعلا، ولم تعد على الإطلاق حركة لها أي أجندة عالمية، وأنها مقتصرة محليا وسوريا".
صراع نفوذ
ويصنف تنظيم "جنود الشام" الذي تعود أصول مقاتليه إلى الشيشان ضمن ما يعرف بـ"إمارة القوقاز الإسلاميّة"، وهي مجموعات تقول إنها "مستقلة تنظيميا" بأعمالها العسكرية في شمال غرب سوريا، بعد انفكاكها عن تنظيم "القاعدة" قبل سنوات.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية صنفت قائد التنظيم، مسلم الشيشاني، باعتباره قائد جماعة إرهابية مسلحة في سوريا منذ يوليو 2014، واتهمته ببناء قاعدة للمقاتلين الأجانب في سوريا.
كما تصنف الولايات المتحدة "هيئة تحرير الشام" وقائدها الجولاني على قوائم الإرهاب، وعرضت مكافأة مالية مؤخرا للجهة التي تقدم أي معلومات عن الأخير، أو أماكن تواجده في الشمال السوري.
وحتى الآن تغيب تفاصيل العلاقة المقبلة بين "تحرير الشام" وباقي الجماعات المتشددة في شمال غرب البلاد، وعما إذا سيتجه قائد الأولى بالفعل إلى تصفية الجميع، من أجل الانفراد بالساحة القتالية والداخلية في إدلب السورية.
ورغم الحملات الأمنية التي تستهدف تلك الجماعات، إلا أن عناصرها وقادتها ما زالوا ضمن حدود مناطق شمال غربي سوريا، لكن بعيدا عن أي تشكيل منظّم متكامل الأركان.
وبوجهة نظر الباحث في الحركات الإسلامية، الدكتور محمد صفر: "هناك صراع نفوذ بين تلك الحركات، لكن ليس بحجم ضغوط خارجية".
ويقول لموقع "الحرة": "روسيا تركز دائما على موضوع هذه المجموعات القادمة من الشيشان، وحتى الإعلام الروسي كثير ما يشير إلى كتيبة جنود الشام وقائدها مسلم الشيشاني. هؤلاء قدموا من الشيشان وأصحاب خبرات قتالية".
ويضيف الباحث، المقيم في تركيا، أن الشمال السوري يخضع الآن لاتفاقيات إقليمية، الطرف المؤثر فيها روسيا والآخر تركيا، مشيرا: "الجانبان لا يرغبان ببقاء هذه التنظيمات، كونها تهدد هذه الدول، وقد تعود مرة أخرى للأراضي الروسية".
ولذلك "كان هناك خطاب من الشيشاني قبل فترة لتحرير الشام ينصب على استنكاره مخاطبته بالمغادرة، دون غيره من الكتائب الموجودة في الميدان، رغم أن كتيبته لم ترتكب جرائم"، بحسب الباحث محمد صفر.
وقبل أيام كان قائد "جنود الشام"، أبو مسلم الشيشاني، نشر تسجيلا صوتيا تناقلته حسابات عبر موقع التواصل "تويتر" قال فيه: "إن ما تروجه تحرير الشام من وجود عناصر من تنظيم داعش ضمن صفوفنا هو كذب وافتراء".
وأضاف: "لا نريد على الإطلاق محاربة هيئة تحرير الشام، وخرجنا إلى جبل التركمان للابتعاد عن الصراع معها، متسائلا: "لماذا تعمل هيئة تحرير الشام جاهدة لخلق صراع غير موجود".
 3 سيناريوهات متوقعة 
ومنذ عام 2015 كانت مناطق شمال غربي سوريا مقصدا لمجموعة معقدة من القوات المناهضة للنظام السوري: "تشكيلات معتدلة" وأخرى إسلامية، بالإضافة إلى "الجهاديين السوريون المرتبطين بـ"القاعدة"، ونظرائهم الأجانب.
ومن بين غير السوريين، مقاتلون من أوزبكستان والشيشان وأقلية الأويغور العرقية في الصين.
وفي وقت لم يتحدد بعد مستقبل المنطقة، تسود ضبابية حول مصير المقاتلين الأجانب، وعما إذا كانوا سيبقون أو يغادرون إلى جبهات أخرى.
وإلى جانب المجموعة الشيشانية "جنود الشام"، هناك أخرى تشاطرها الأصل والعقيدة أيضا، بينها "كتيبة أجناد القوقاز".
ولا توجد إحصائية دقيقة لأعداد المقاتلين في هاتين المجموعتين اللتين التزمتا خلال السنوات الماضية "الصمت" إزاء الاقتتال الداخلي الذي حصل بين "هيئة تحرير الشام" وباقي التشكيلات العسكرية الأخرى في المنطقة.
ويقول الباحث في الحركات الإسلامية، محمد صفر: "الإشكالية أن هذه الجماعات لا تنتمي لهذه الأرض".
واستعرض 3 سيناريوهات لها، مضيفا: "إما أن تذوب تماما في المجموعات الموجودة دون أي كيان مستقل، أو سيتم القضاء عليها بشكل تام، والسيناريو الثالث الخروج من المنطقة، وهذه السيناريوهات الثلاثة المتوقعة، وفي المقابل يصعب تصور أن تبقى متماسكة".
من جانبه يوضح الباحث حسن أبو هنية أن "تحرير الشام تريد أن تقدم نفسها في الوقت الحالي كحركة سورية وجزء من الثورة، مما يجعل التفاوض معها في المستقبل غير مستبعد".
ويضيف أبو هنية: " تريد الآن أن تنفرد شيئا فشيئا. هي تقدم رسائل وتنتظر أيضا في نفس الوقت مكافآت".
وبشأن الاستراتيجية التي تسير فيها بموجب حملات "الإقصاء" يتابع الباحث: "دائما هناك نوع من البراغماتية المحسوبة المنضبطة. تحرير الشام تحاول قياس ردود الفعل، وبعد ذلك تستكمل الخطوات ضد الحركات الأخرى، بمعنى خطوتين إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف على الطريقة الماركسية".

المصدر : الحرة