منذ 2009، حتى الآن، قدمت سلسلة من المقترحات من مراكز دراسات ودوائر رسمية عراقية متخصصة لإنشاء سد في ملتقى نهري دجلة والفرات "شط العرب" في مدينة البصرة، لوقف تلوث مياهه، والتقليل من المد المالح الذي يدخل إليه من مياه الخليج العربي.




لكن، كل هذه الدراسات والمقترحات لم تلقَ جدية واهتماماً من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة، أو من البرلمان العراقي، ويجري الحديث عنها في كل صيف عندما تمر البصرة بأزمة مياه مالحة وملوثة كنوع من الوعود التي تنطلق مع بوادر احتجاجات تشهدها المدينة سنوياً على عدم إيجاد حلول لهذه الملف الذي يهدد حياة السكان.

وعلى الرغم من التحذيرات بضرورة وقف توجيه مياه الصرف الصحي والبزل إلى مياه شط العرب من مختلف المدن العراقية وإيجاد حلول لها تضمن وصول هذه المياه بأقل قدر من التلوث، فإن المشكلات التي يعانيها العراق وأزمته المالية أوقفت عديداً من مشاريع المجاري الخاصة بتحويل مياه الصرف الصحي إلى مياه صالحة للزراعة.

وتحاول وزارة الموارد المائية العراقية أخذ زمام المبادرة في موضوع إنشاء سد شط العرب وتنفيذه خلال الفترة المقبلة، ليكون سداً تنظيمياً هدفه منع دخول المد المالح إلى ملتقى نهري دجلة والفرات، خصوصاً أنه مشترك مع إيران.

موافقة إيرانية

وقال متحدث الموارد المائية، عون ذياب، "إنشاء سد مشترك بين إيران والعراق موضوع حيوي، طرح مرات عديدة، لكن هناك تفاوتاً حول مكانه وموقعه"، مؤكداً أن "هناك استجابة من شخصيات في إيران حول عدم ممانعتهم".

وأضاف ذياب، في تصريح لوكالة الأنباء العراقية الرسمية، "من الناحية العملية وفي كل دول العالم الأنهر تصب في البحار والمحيطات، وأغلبها تنشأ عليها سدود ليست خزنية، لكنها تنظيمية منعاً لدخول المد المالح إلى داخل النهر"، موضحاً أنه "مبدئياً يكون الموقع المناسب لإنشاء السد من الناحية الفنية والعلمية عند المصب".

وتابع، "توجد متغيرات في شط العرب، كون إيران قطعت نهر الكارون بالكامل، وقطعت الأنهر على ضفاف الشط، وجرى إغلاقها، بالتالي موجة المد أصبحت أقوى"، مشيراً إلى أنه "في حالة التوصل إلى اتفاق نهائي حول إنشاء السد ستلتزم إيران بإطلاق كميات من المياه، ولن تغلق نهر الكارون بشكل مستمر، كما كان يحصل، خوفاً من وصول المد الملحي إلى نهر الكارون".

وأكد ذياب أن "وجود السد سيجعل إيران تلتزم بإطلاق كميات من مياه الكارون لشط العرب، حتى تدام بيئة الشط والملاحة فيها كونها مستفيدة من شط العرب للملاحة أكثر من العراق بوصف أن ميناءي المحمرة وعبادان مهمان لها في منطقة إقليم عربستان ونشاطها أكبر من الموانئ العراقية على شط العرب"، لافتاً إلى أن "العراق لديه ميناءان هما أبو فلوس والمعقل اللذان ما زالا معطلين".

ولا تزال الملاحة في شط العرب تعاني مشاكل كثيرة، بسبب وجود سفن وقوارب مدمرة داخله خلال الحرب العراقية الإيرانية وحربي الخليج الأولى (1991) والثانية (2003) لم ترفع حتى الآن.

قناة مائية ليست مالحة

وأوضح ذياب أن إنشاء السد يتطلب "دفع كميات من المياه إلى داخل النهر، بالتالي سترجع طبيعة شط العرب كقناة مياه ليست مالحة، وهذا سيمنع وصول المد المالح إلى البصرة قطعاً، وهو الحل المثالي لهذه المشكلة"، مؤكداً أن "الكميات التي تدفع من قلعة صالح في محافظة ميسان سيستفاد منها لأغراض الشرب والزراعة على جانبي شط العرب بشكل عام".

وتحدث ذياب عن إمكانية أن يكون موقع السد في ميناء أبو فلوس، ويمتد إلى رأس البيشة، وهي آخر حدود شط العرب عند مصبه في الخليج العربي، لافتاً إلى أن هذه المنطقة مياهها مالحة، ويمكن أن يؤدي السد إلى الحفاظ على ما تبقى من مياه شط العرب عذبة، وكمصب لنهري دجلة والفرات تحتوي على خواص بيئية ثابتة من المد الطبيعي والأسماك.

تصاميم إيطالية

وقدمت شركة "تكنتل" الإيطالية المصممة لميناء الفاو الكبير، عرضاً لخطط العمل والتصاميم الخاصة بإنشاء سد البصرة.

وقال مدير عام شركة العامة لموانئ العراق، فرحان محيسن الفرطوسي، إن "شركة (تكنتل) عرضت (برزنتيشن) لخطط العمل الخاصة، وتصاميم بإنشاء سدة البصرة، وذلك بحضورنا ومديري شركة الموانئ".

وأضاف، "الشركة الإيطالية استعرضت كل المعلومات، والتصاميم، وخطط العمل، وطريقة إنشاء السد، وتحديد مكانه، وكميات الماء، وكيفية معالجة المياه في شط العرب المعرضة لتدخل المجاري والملوثات"، موضحاً أن شركته قدمت تعهدات بإنشاء (سدة البصرة) على شط العرب، وذلك من خلال تمويل الدراسات الخاصة بإنشاء السدة، وتنفيذها بعد ذلك.

التكلفة أكثر من مليار دولار

بدوره، يبين مدير إعلام الموارد المائية، إنمار الصافي، أن شركة الموانئ العراقية ستختار تصميماً من تلك التصاميم، لافتاً إلى أن تكلفة إنشاء السد تقدر بمليار دولار.

ويضيف الصافي أن "الهدف من إنشاء السد هو الحد من اللسان الملحي والحفاظ على الملاحة في شط العرب"، مبيناً أن قسماً من التصاميم التي عرضت أنشئت في إنجلترا ودول أخرى، لافتاً إلى أن التصاميم متنوعة وهدفها تنظيم المياه والملاحة.

ويؤكد أن وزارة النقل ستتكفل بتمويل تصاميم المشروع، فيما ستتكفل الحكومة الاتحادية بتمويل المشروع الذي ستبلغ تكلفته أكثر من مليار دولار.

تحلية مياه البحر

بدوره، دعا النائب السابق عن محافظة البصرة، وائل عبداللطيف، إلى بناء سد على شط العرب، لمنع زحف اللسان الملحي، مع بناء منظومة معالجة مياه البحر لتأمين المياه للزراعة وللشرب.

وقال عبداللطيف، "عدم وجود سد على شط العرب يؤدي إلى ذهاب الزيادة في المياه نحو البحر، وعند قلة المياه يزداد اللسان الملحي القادم من البحر، ما يؤدي إلى زيادة نسبة ملوحة شط العرب وصولاً إلى منطقة العشار وبمسافة 100 كلم"، لافتاً إلى أن بناء السد سيعمل على الاستفادة من المياه القادمة من نهري دجلة والفرات، وأن تكون جودة المياه جيدة لسقي المحاصيل الزراعية في تلك المنطقة، ما يزيد الاستثمار في المناطق الزراعية".

صراع على المياه

ويبين أن التلوث في مياه شط العرب بدأ عام 1982 عند زيادة الغوارق البحرية، ما تسبب بتسرب النفط الخام إلى مياه شط العرب، وزاد من نسب تلوثه والروائح غير المقبولة بالمياه، وفي تسعينيات القرن الماضي جرى إنشاء ما يسمى نهر القائد الذي يزود البصرة بالمياه من منطقة البدعة الذي يوصل المياه قرب مطار البصرة، لافتاً إلى أن إنشاء سد في منطقة قلعة صالح بمحافظة ميسان بهدف تزويد البصرة بالمياه جعل بعض سلطات المحافظات كمحافظة ميسان والكوت تأخذ منه كميات ليست بالقليلة، ما أدى إلى تقليل نسب المياه الموجهة إلى البصرة.

وتابع عبداللطيف، أن البريطانيين قدموا مقترحاً، وهو مشروع "بلي وتر"، وهو تحلية مياه البحر، وتحويله إلى البصرة لتنعم المحافظة بالمياه كبقية دول الخليج العربي التي أنشأت مثل هذه المشاريع، ومن المقرر أن تحصل عليه شركة "بلي وتر"، وهي جاهزة لتنفيذه على مدى سنتين، مشيراً إلى أن هذا المشروع جرى تعطيله، ولم ينفذ لرغبة بعض الأجندات بتنفيذ المشروع شركات أخرى.

ويبين أن المياه في البصرة "غير صالحة للاستخدام"، وهي سمية وملوثة، بالتالي يجب أن تنطلق الإرادة لبناء السد ومنظومة تنقية المياه من خلال الاستفادة من مياه البحر للاستفادة من المشروعين لإرواء المشاريع الزراعية، وكذلك الاستفادة منها لمياه الشرب.

ويؤكد أن بناء منظومة تنقية المياه سيكون عن طريق قرض بريطاني يسدد على دفعات بفوائد بسيطة.

مشروع استراتيجي

وكانت هيئة النزاهة العراقية قد حملت وزارة الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة مسؤولية تأخير تنفيذ مشروع محطة تحلية مياه البحر في محافظة البصرة.

وذكرت دائرة الوقاية في الهيئة، في تقرير لها، سلم إلى رئاسة الوزراء العراقية أن هناك تأخيراً واضحاً من قبل الوزارة بخصوص الاستفادة من مبلغ القرض البريطاني البالغ قيمته 10 مليارات جنيه استرليني المخصص لإنشاء مشروع محطة تحلية مياه البصرة، مبينة أن الوزارة لم تتمكن من إبرام عقد مع أي شركة تخصصية لها باع وأعمال مماثلة في مجال تحلية مياه البحر، بذريعة التزامها بالتعاقد مع الشركات البريطانية حصراً.

وحث التقرير، على ضرورة استثمار الوقت وتلافي المهدور منه، لإنجاز هذا المشروع المهم (الاستراتيجي) الذي يخدم محافظة البصرة على وجه الخصوص ومحافظات الجنوب والفرات الأوسط بشكل عام، وكذلك العاصمة بغداد، فضلاً عن كونه يضمن الأمن المائي للبلد، فيما لو تنصلت دول الجوار المسيطرة على منابع دجلة والفرات عن التزاماتها فيما يتعلق بالإطلاقات المائيـة.

وأشار التقرير إلى أن المشروع المزمع إنشاؤه يؤمن طاقة مائيةً تصل إلى مليون متر مكعب في الساعة، بالتالي فإنه يعد من أهم المشاريع الاستراتيجية التي كان من المفترض أن تذلل جميع العقبات التي تحول دون الإسراع في إنجازها.

المصدر :