عبارةٌ بالغة الدلالات أطلقها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أمس، وثبّت معها «مباركتَه» استعادة الشارع حركته الاحتجاجية على وقع انفلاتِ سعر صرف الدولار وتعميق الكارثة المعيشية التي تتدحْرج في أوْضح مؤشرٍ إلى أن لبنان في قلْب الانهيار الكبير.



واستوقف أوساطاً سياسية مضيّ بكركي في دعم الحِراك الشعبي الذي استظلّ بعض المنخرطين في جولته المتجددة التي انطلقت الأسبوع الماضي ما كان الراعي أعلنه في ندائه في 27 فبراير الماضي حين توجّه إلى شباب لبنان «لا تسكتوا» في سياق تعداده مختلف جوانب الأزمة اللبنانية وبينها «الانقلاب على الدولة والنظام» والسلاح غير الشرعي، وصولاً إلى قوله في عظة الأحد «الشعب لم يعد له سوى الشارع»، سائلاً «كيف لا يثور هذا الشعب وقد أخذ سعر صرف الدولار يتجاوز 10000 ليرة بين ليلة وضحاها؟ كيف لا يثور وقد هبط الحد الأدنى للأجور إلى 70 دولاراً»؟ قبل أن ينتقد بحدّة «السلطة الفاشلة» إذ «كنا نتطلع إلى أن يصبح اللبنانيون متساوين في البحبوحة، فإذا بها تساوي بينهم في الفقر». ولم يتوانَ الراعي عن تقديم مقاربة جديدة لأزمة تأليف الحكومة «التي لا علاقة لها بالمواد الدستورية، خصوصاً المادتين 53 و64 المتعلقتين بطريقة التكليف والتشكيل والتوقيع، بل العلاقة بهوية لبنان الواحد والموحد والحيادي والديموقراطي والميثاقي وذي السيادة في الداخل وتجاه الخارج»، مؤكداً «لأن الجماعة السياسية والسلطة عاجزة عن معالجة أزماتنا الداخلية المؤدية إلى الموت، دعونا إلى مؤتمر دولي خاص بلبنان نهيئه نحن اللبنانيين كاشفين عللنا المتأتية من عدم تطبيق وثيقة الوفاق الوطني بكامل نصها وبروحها، ومن مخالفات الدستور بخلق أعراف وعادات سببها ثغر فيه بحاجة إلى نقاش».

ولاحظتْ هذه الأوساط أن مواقف الراعي جاءت على وقع ارتسام محاولاتٍ باتت أكثر «وضوحاً» لركوب أطراف داخلية موجة الاعتراض الشعبي على انفلات سعر صرف الدولار وتشظياته الاجتماعية بهدف تحقيق «أجندات» سياسية تراوح قراءاتها بين حدّ ضيّق داخلي يرتبط بـ «الحساسيات المتراكمة» بين أركان السلطة، وحدّ أوسع متصل بالبُعد الإقليمي للواقع اللبناني من باب السعي لفرْض حكومة بشروطٍ تمنع استدراج «شراكة» دولية بإدارة مرحلة الإنقاذ في لبنان تكون على حسابِ النفوذ الإيراني الأوسع في «بلاد الأرز». ومن هنا توقفت الأوساط نفسها عند مشهديةٍ أطلت برأسها ليل السبت - الأحد مع تسجيل تحركات وقطع طرق وحرق إطارات في الضاحية الجنوبية لبيروت (معقل «حزب الله») وعلى تخومها مع تسجيل أعمال شغب، وسط تَداوُل أشرطة فيديو لشبان يهتفون «يلا يلا ع بعبدا (القصر الجمهوري)، وآخر لعشرات الدراجات النارية أشيع أنها توجّهت إلى القصر الرئاسي وأن لواء الحرس الجمهوري وُضع في جهوزية كاملة تحسُّباً لاقترابها من تخوم (بعبدا)». وقد خطف هذا الحِراك الأضواء من الاحتجاجات الأكبر التي كانت تجري في مناطق واسعة من بيروت والشمال والجنوب والبقاع والجبل حيث قُطعت غالبية الطرق الرئيسية، لتُسجّل بعض الإشكالات وأبرزها في منطقة الشويفات (جنوب بيروت) حيث سقط 7 جرحى بعدما اجتاحت سيارة المتظاهرين وقامت بدهسهم. وفي حين قلّلت بعض الأوساط القريبة من فريق 8 مارس مما شهدته بعض مناطق الضاحية، معتبرةً أنها تعبير عن إنهاك الناس من الواقع المعيشي وأنها حركة عفوية غير منظّمة مذكّرة بأن «حزب الله» سبق أن أوعز الى مناصريه ومحازبيه بعدم النزول الى الشارع، حاولت دوائر أخرى ربْط ما جرى بالمناخ المحتدم بين رئيس البرلمان نبيه بري وفريق رئيس الجمهورية ميشال عون حول الملف الحكومي، مشيرة إلى أن مَن كانوا على الأرض هم من مؤيدي حركة «أمل».

أما في الأوساط المعارضة لـ«حزب الله» فسادت قراءة حمّلت دخول الضاحية على الخط وبسقفٍ - ولو كان حجمه محدوداً - موجّه ضد عون أبعاداً ترتبط بمحاولة تحسين وضعية رئيس الجمهورية مسيحياً عبر تظهيره مستهدَفاً من بيئات طائفية أخرى وتالياً فرْملة دعم البطريرك الماروني لحِراك الشارع ودفْعه لتوفير غطاءِ حمايةٍ لـ «المارونيّ الأول»، وفي الوقت نفسه توجيه رسالة إلى بكركي حول الأكلاف التي قد تترتب على خروج المسيحيين الى رحاب التدويل عوض «الحماية» التي يوفّرها الحزب. وأياً تكن الخلفيات وراء اتساع مشاركة «شوارع» عدة في الانتفاضة المتجددة التي «أسمعت صوتها» بقطع الطرق في غالبية المناطق أمس، فإن «هدير» غضب الشارع والذي لا يبدو أنه يتجه الى التراجع في الأيام المقبلة، وسط استمرار سعر صرف الدولار بالتقلب بين هامشيْ 10 آلاف و11 ألف ليرة في السوق السوداء، يعزّز الخشية مما يبدو أنه «استقالة» غالبية أركان السلطة من آخِر محاولاتِ تخفيف سرعة الانزلاق نحو «الارتطام الكبير».

وهذا ما استشفّته أوساط عدة من تلويح رئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب بالاعتكاف حتى عن تصريف الأعمال، وغيرها من مظاهر خلو دفّة القيادة في «التايتنيك» اللبنانية من أي ربان، ما أوحى بأن الانهيارَ صار خارج أي قدرة داخلية على السيطرة عليه أو محاولة إبطائه بانتظار انقشاع الرؤية في الملفات الإقليمية وأبرزها النووي الإيراني، وسط سؤال كبير عن كيفية التوفيق بين ضرورة استيلاد حكومة بشروط المجتمع الدولي تكون قادرة على إعادة وصل ما انقطع مع دول الخليج باعتبار ذلك المدخل لأي رافعة خارجية لا مفرّ منها لمسار إنقاذ لبنان، وبين حسابات إيران التي تقارب الواقع اللبناني من زاوية «قوسِ نفوذها» في المنطقة والذي يصعب التكهن إذا كان سيدخل ضمن أي تسوية حول النووي.

المصدر : الراي الكويتية