أشار مسؤول رفيع في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إنه في ظل الأوضاع الحالية لا يمكن عزل مناطق سيطرتهم عن الآثار السلبية الناجمة عن انهيار سعر صرف الليرة السورية.

وقال نائب الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية بدران جيا كرد في حديث لموقع الحرة، إن المعابر مع مناطق النظام السوري مفتوحة كما أن التعاملات التجارية مستمرة، ناهيك عن أن التداول في مناطق شمال شرقي سوريا يتم بالليرة السورية. وتابع: "ضمن هذه المعطيات، فإن أي انهيار في سعر صرف الليرة ينعكس بشكل مباشر علينا أيضاً، والإجراءات التي تتخذها الإدارة الذاتية غير كافية لكونها لا تملك نظاماً مالياً ونقدياً مستقلاً عن سوريا ككل".

وأضاف جيا كرد إن الإدارة الذاتية تواجه تحدياً اقتصادياً، وخاصة بعد غلق معبر تل كوجر (اليعربية)، ما يؤدي لصعوبة توفر المواد والأدوية وفقدان البعض منها، وإن وجدت فبأسعار مرتفعة. مشيراً إلى أن: "كل هذه الإشكاليات يستغلها الإرهاب في تحريض المواطنين بالدرجة الأولى، كما إن النظام السوري وبعض الجهات الموالية لتركيا يستغلون ذلك لخلق الفوضى في المنطقة".

لمواجهة ذلك وللتخفيف من الآثار السلبية، دعا جيا كرد المجتمع الدولي لتقديم الدعم الاقتصادي للإدارة الذاتية على غرار ما يتم عسكرياً مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مؤكداً على ضرورة ذلك من أجل استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة.

لا آفاق قريبة لوقف انهيار الليرة السورية

تجاوز سعر صرف الليرة السورية (عند إعداد هذا التقرير) حاجز الـ 3600 ليرة مقابل الدولار الأمريكي في أدنى قيمة على الإطلاق تسجلها العملة السورية، أما اليورو فقارب 4400 ليرة.

حول أسباب هذا التدهور المتسارع في سعر صرف الليرة السورية، قال الأكاديمي الاقتصادي الدكتور أحمد يوسف، إن إطالة أمد الأزمة السورية إلى جانب النتائج السلبية لعقوبات قانون قيصر وتراجع الدعم الخارجي للنظام والمعارضة على حد سواء أدت إلى دخول النظام؛ المسؤول الوحيد عن السياسة النقدية في سوريا، في حالة عدم القدرة على الإنتاج بصورة شبه تامة.

وتابع يوسف في حديثه لموقع (الحرة): "تعطلت القدرة الإنتاجية في القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد حرب خاضع لتجاذبات أطراف الأزمة فيها، وتراجع عرض العملات الأجنبية مقابل اضطرار النظام إلى تغطية المصاريف الجارية عبر سياسة التمويل بالعجز".

ووفقاً لبيانات رسمية تتجاوز نسبة العجز في الموازنة العامة للحكومة السورية للعام الجاري 40%، حيث بلغت اعتمادات الموازنة العامة 8500 مليار ليرة سورية، في حين قدّرت الحكومة العجز في الموازنة العامة بنحو 3484 مليار ليرة.

عن تأثير ذلك على سعر الصرف أوضح يوسف: "النتيجة الطبيعية لسياسة التمويل بالعجز هي الانتقال التدريجي إلى التضخم الجامح وانهيار قيمة العملة المحلية بصورة متسارعة. وهذا ما يشهده الاقتصاد السوري في المرحلة الراهنة، وما طرح العملة النقدية من فئة (5000) ليرة في السوق إلا تعبيراً واضحاً عن سياسة التمويل بالعجز".

وكان البنك المركزي السوري أعلن أواخر شهر يناير الماضي عن طرح أوراق نقدية من فئة (5000) ليرة سورية، معللاً الأمر بأنه يأتي لتلبية توقعات احتياجات التداول الفعلية من الأوراق النقدية وبما يضمن تسهيل في المعاملات النقدية وتخفيض تكاليفها ومساهمتها بمواجهة آثار التضخم التي حدثت خلال السنوات الماضية إضافة إلى التخفيض من كثافة التعامل بالأوراق النقدية بسبب ارتفاع الأسعار.

ويعتقد يوسف بأنه لا توجد آفاق قريبة لانتهاء أزمة التضخم وانهيار قيمة الليرة السورية حتى لو توقفت الأزمة السورية، منوهاً إلى سبب ذلك بالقول: "إن اقتصاداً قد شهد دماراً بقيمة تتجاوز نصف تريليون دولار أمريكي، لا يمكنه أن يتعافى إلا خلال فترة زمنية طويلة شريطة أن تشهد حالة التشغيل الكامل للتغطية على العجز الهائل في إيرادات الدولة والانهيار الكبير في الناتج المحلي الإجمالي".

آثار انهيار سعر صرف الليرة

وعن انعكاسات انهيار سعر صرف الليرة السورية على مناطق السيطرة المختلفة في البلاد، أشار الدكتور أحمد يوسف بأن كل منطقة تمتلك بعض الخصائص الاقتصادية المختلفة عن الأخرى، تبعاً للتأثير المشترك للعوامل الداخلية والخارجية.

ويرى يوسف بأن مناطق النظام باتت فاقدة لكل المقومات الاقتصادية للاستمرار والتنمية، وتابع: "ستشهد هذه المناطق انهياراً كبيراً في القدرة الشرائية للمواطنين، وستكون النسبة الكبرى من الذين يعيشون تحت خط الفقر من نصيب هذه المناطق".

وكان تقرير صادر عن برنامج الغذاء العالمي أشار قبل أسبوعين إلى أن 12.4 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بناء على نتائج تقييم وطني في أواخر عام 2020. ويمثل ذلك زيادة حادة من 9.3 مليون شخص كانوا يعانون انعدام الأمن الغذائي في مايو من العام الماضي.

وبحسب يوسف فإن ما يحصل عليه الفرد العامل لدى مؤسسات الدولة في مناطق النظام لا يتجاوز 10% من إجمالي الاحتياجات الضرورية التي تشكل سلة المستهلك. مبيناً أن: "متوسط الدخل الشهري للعاملين من الفئة الأولى لا يتجاوز 20 دولار أمريكي فقط، بينما يبلغ متوسط استهلاك الأسرة السورية المكونة من خمسة أشخاص 200 دولاراً، وإذا كان معدل الإعالة واحد إلى خمسة، فهذا يعني أن من يقبض 20 دولاراً يجب أن ينفق 200 دولاراً في الشهر".

أما في المناطق الخاضعة لسيطرة القوى المرتبطة بتركيا، والتي اعتمدت على التحول إلى استخدام الليرة التركية، فقال يوسف: "أن ذلك يأتي في سياق ترسيخ الاحتلال التركي لتلك المناطق والانفصال التدريجي عن سوريا؛ إذا لم تحدث تطورات سياسية تؤدي إلى توقيف هذه العملية".

وأضاف: "إن تلك المناطق تعيش حالة يشوبها تعقيدات المراوحة ما بين الليرة السورية والانتقال إلى استخدام الليرة التركية. وهذا الأمر له أثر في ارتفاع تكلفة المعيشة في تلك المناطق بحيث يساير تكلفة المعيشة في تركيا، وهو بلا شك أعلى من تكلفة المعيشة في سوريا".

الإدارة الذاتية يمكنها الحد من الآثار السلبية

وفيما يتعلق بمناطق الإدارة الذاتية، قال يوسف إنها الأكثر استقراراً، ذلك أنها تمتلك جميع المقومات الاقتصادية للاستمرار وتفادي الآثار الناجمة عن التضخم. 

وتابع: "انتقلت هذه المنطقة إلى سياسة (الدولرة) بحكم التعاملات السوقية، رغم أنها لا تمتلك توجهاً خاصاً بذلك. وهي بحاجة إلى وضع استراتيجيات اقتصادية تؤدي إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك ستكون الأقل تأثراً بنتائج فقدان الليرة السورية لقيمتها".

أما عن إجراءات الإدارة الذاتية الهادفة للحد من انعكاسات التدهور المستمر في سعر صرف الليرة، قال بدران جيا كرد أنهم يعملون ضمن حدود إمكانياتهم المتوفرة لضبط أسعار المواد الأساسية، وتوفير الرقابة على الأسواق. منوهاً لقرار الإدارة الذاتية رفع رواتب موظفيها بنسبة تتراوح ما بين 108% و150% حسب الاختصاصات، وذلك لتعويض الانخفاض في القدرة الشرائية للدخل.

يذكر أن عدد العاملين والموظفين ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا يبلغ 120 ألفاً وهم يتلقون أجوراً ورواتب حدها الأدنى 200 ألف ليرة سورية، كما يضاف إليهم قرابة 100 ألف عسكري ضمن قوات سوريا الديمقراطية.

وفيما يتعلق بتأمين التمويل اللازم لتغطية النفقات العامة في مناطق شمال شرقي سوريا، أشار جيا كرد إلى إن الإدارة الذاتية تموّل نفقات الخدمات العامة والحماية لمناطقهم التي يعيش فيها أكثر من خمسة ملايين نسمة، وإن ما يتم انتاجه من الثروة النفطية في المنطقة يوظف لهذه الأغراض.

وكشف جيا كرد بأنهم تلقوا وعوداً شفهية من قبل التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة من أجل استثناء مناطق الإدارة الذاتية من العقوبات، ولكنه أردف قائلاً: "ما نراه هو إننا نتأثر بشل كبير ومباشر من هذه العقوبات ولا توجد مخارج وآليات عملية لإنقاذ مناطقنا من تأثير العقوبات. كل ما هنالك هو خطاب إيجابي ولكن لم تتم ترجمته عملياً".

وفي وقت تشهد فيه الأسواق السورية ارتفاعاً مضطرداً في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمداخيل نتيجة انهيار سعر صرف الليرة السورية، وهو الأثر الذي يمتد إلى معظم مناطق البلاد. تسعى الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا للإبقاء على دوران عجلة الاقتصاد في مناطقها وتنمية إيراداتها مستفيدة من الموارد المتاحة، حيث تعمل على سن جملة من القوانين الاقتصادية الناظمة في سبيل تحسين الاستجابة لمتطلبات السكان. ليبقى النجاح في ذلك مرهوناً بالحل السياسي في سوريا والدعم المقدم من الشركاء في التحالف الدولي الذين تطالبهم الإدارة الذاتية بالاعتراف السياسي بها.


المصدر : الحرة