كتبت داني كرشي في "الشفافية": 

لا مكان للشرفاء في هذا الوطن، إذ اصبح كل من يسعى وراء الحقيقة معزول من مهماته. 
وفي وقت لا تزال المراوحة الحكومية القاتلة عصية على الكسر رغم كل النداءات الدولية للاسراع في التشكيل، وبدلا من الاسراع لإنقاذ البلاد من الانهيار، قرر أهل المنظومة الحاكمة في لبنان تنحية الملف الحكومي جانبا، واتفقت فيما بينها على تصويب مدافعها صوب عدو مشترك، الشعب اللبناني، عبر الاطاحة بالقاضي العدلي فادي صوّان، المكلف بالتحقيق في الانفجار المروع الذي ضرب مرفأ بيروت في 4 آب  الماضي.
استبعاد صوان جاء على خلفية الخطوة الجريئة التي اتخذها بتوجيه اتهامات في كانون الأول الماضي لثلاثة وزراء سابقين ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بالإهمال فيما يتعلق بالانفجار الذي يعد أقوى انفجار غير نووي في التاريخ.
 
المعركة بدأت، مع رفض دياب لاستجوابه، حيث اعتبر أن صوان تجاوز نطاق سلطاته. فيما اعتبر  المتهمين الآخرين، وهما علي حسن خليل وزير المال السابق وغازي زعيتر وزير الأشغال العامة السابق، أنهما لم يتلقيا إبلاغا رسميا بالاستدعاء للاستجواب كما يقضي البروتوكول.  وكان من المقرر استجواب وزير الأشغال السابق، وهو المتهم الثالث، يوسف فنيانوس، اليوم الخميس لكنه رفض أيضا أمام قاضي التحقيق العدلي للإدلاء بافادته. 
ردة فعل زعيتر وخليل المقربين من رئيس البرلمان نبيه بري، تُرجمت بتقديمهما مذكرة أمام النيابة العامة التمييزية طلبا فيها نقل الدعوى إلى قاض آخر، بعدما اتهما صوان بخرق الدستور بادعائه على وزيرين سابقين ونائبين في البرلمان، بينما يتمتع هؤلاء بحصانة دستورية ويفترض أن تمرّ ملاحقتهم بمجلس النواب، وفق معارضي قرار الادعاء.
وعلّق صوان بعدها التحقيقات لقرابة شهرين قبل أن يستأنفها الأسبوع الماضي بعدما أعادت محكمة التمييز الملف إليه في انتظار البتّ في طلب الوزيرين.
قرار المحكمة التمييزية يضع الشك في اليقين. إذ أبدت سابقا ارتياحا لناحية القاضي صوان خصوصا وأنها لم ترَ أي التباس بالمعطيات المدرجة في ملف انفجار بيروت، أي أنها لم تلمس أي خطأ بعمل صوان. 
لكن، بحسب نص التنحية، جعلت الأضرار التي لحقت بمنزل القاضي في الأشرفية، أحد المتضررين من انفجار المرفأ، ما يفقده "الحيادية".  
أوساط مطلعة على أجواء التحقيق في انقجار مرفأ بيروت، يرى أن " المسألة ليست نتيجة الكشف عن تضرر منزل صوّان إزاء الانفجار إنما المسألة أنه وللمرة الأولى يتجرأ أحد القضاة على إصدار مذكرة توقيف بحق شخصيات لها وزنها باللعبة السياسية اللبنانية. وهذا الأمر يؤكد أن المنظومة السياسية لم يكن باستطاعتها السيطرة على عمل القاضي صوّان وتحوير تحقيقاته بما يناسب أهل الحكم". 
الأوساط تؤكد أنه "مهما حاولت هذه المنظومة من طمس لهذا الملف، لن تتمكن الهروب من القصاص، لأن انفجار بيروت لن يمرّ مرور الكرام بتاتا. فلمرفأ بيروت ارتباطات وحقوق دولية لا يمكن تخطيها من جهة، كما أن الانفجار أدى الى سقوط ضحايا أجانب، من بينهم  فرنسيين وبريطانيين، أي القضية شملت العالم أجمع، من جهة أخرى". 
الأوساط ترى أن " الأمور ستتجه عمليا، نحو تمييع جديد، على الطريقة اللبنانية المعتادة، إذ إن المشكلة اليوم هي بتعيين قاض جديد لاستلام ملف التحقيق بانفجار مرفأ بيروت، أي أن الموضوع سيطول الى حد ما. ولكن في نهاية المطاف لا بد من تخضع هذه المنظومة للأمر الواقع". 
الأوساط تشير الى أن " القاضي الوحيد الذي اعترض على قرار تنحية صوّان، هو فادي العريضي، الموالي لرئيس حزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، بينما من صوّت لتنحية القاضي العدلي، لكل منهم ميولهم السياسية، وعلى رأسهم القاضي جمال الحجار، الموالي لرئيس تيار المستقبل سعد الحريري، الأمر الذي يثير الشك، على إصرار الأخير للإطاحة بالقاضي صوّان. فهل هذا القرار هو لحماية الحريري من خطر استدعائه للتحقيق"؟
الأوساط المطلعة تختم، مشددةً على أن "انفجار مرفأ بيروت ليست كعملية اغتيال شخصية سياسية محدّدة إنما عملية قتل للبنانيين وكل مقيم على الأراضي اللبنانية، ما يشير الى أن الملف سيكون في عهدة الدول الغربية وعلى طاولات مناقشاتها حتما". 
بناء على ما تقدّم، إن طريقة التعاطي مع ملف مرفأ بيروت تدل على مدى تأثير الطبقة السياسية في عمل القضاة ومحاولاتها المستمرة لحرف مسار التحقيق، في محاولات منها لاستثمار الملف وتحقيق مكاسب سياسية. 
من هنا، باتت استقلالية القضاء، أمرا ملحا وضروريا، ولا بد من المطالبة بإقرار قوانين تعزز استقلالية القضاة وتحميهم من تأثير السياسيين، وتحويل السلطة القضائية إلى سلطة قائمة بذاتها حيث تعين القضاة وتشرف على عملهم.

المصدر :