يؤشر الحراك المُبكر للأحزاب والكتل السياسية العراقية، على صعيد برنامجها الدعائي للانتخابات المبكرة المقررة حزيران المقبل، إلى مدى حدّة التنافس بين مختلف القوى النافذة في البلاد. فإلى جانب نحو 30 قناة تلفزيونية فضائية مملوكة للأحزاب والكيانات السياسية، وقرابة 60 موقعاً إخبارياً على شبكة الإنترنت، فضلاً عن 12 محطة إذاعية، كلّها ممولة من أحزاب وقوى سياسية رئيسية في العراق، وفضلاً عن تدشين الاحزاب وفصائل مسلحة أخيراً وسائل إعلام خاصة بها، وهناك معلومات تشير إلى انه يوجد  حراكٍ لحزبين رئيسيين في بغداد، يستهدف شراء أو تأجير صفحات على موقع "فيسبوك" بمبالغ تصل إلى مليون دولار، وتحديداً تلك الصفحات التي تمتلك أكثر من مليون متابع نشط. ويستهلك العراقيون وقتاً في متابعة الأخبار والتطورات على "فيسبوك"، أكثر مما يقضونه في مشاهدة التلفزيون، وضمن متابعتهم نشرات الأخبار تحديداً.

وتوجد في العراق عشرات الصفحات المليونية (تملك أكثر من مليون متابع) على موقع "فيسبوك"، غير العائدة إلى جهات سياسية أو حزبية، ويعود تاريخ إنشائها إلى نحو 10 سنوات أو أقل بقليل. والملاحظ أن هذه الصفحات تتبنّى الخيار الوطني اللاطائفي، وخيار المدنية، وهي مُناصرة للتظاهرات الشعبية، ومهتمة بمتابعة قضايا الفساد وكواليس الأحزاب النافذة في السلطة. ومن الأمثلة على هذه الصفحات: "الخوّة النظيفة"، "شكو ماكو"، "بغداد"، "عراقي كومنت"، "السليمانية" و"ستيفن نبيل"، وغيرها من الصفحات التي تنقل الأحداث والأخبار اليومية في البلاد، وساهمت خلال الأشهر الماضية في دعم المتظاهرين.

وفي هذا السياق، كشفت مصادر سياسية عراقية في بغداد، معلومات أكدّها عدد من أصحاب الصفحات المستهدفة على "فيسبوك"، بأن مفاوضات أجرتها خلال الفترة الماضية كتلةٌ تتبع لرئيس حكومة سابق مع إحدى الصفحات الشهيرة على موقع التواصل الاجتماعي هذا، من أجل شرائها بمبلغ معروض وصل إلى مليون دولار، وهو ما تكرر مع كتلة أخرى لزعيم سياسي بارز، انشق قبل نحو عامين عن تكتله السابق، وشكّل كتلة خاصة به. وبعد فشل مفاوضات هذا الزعيم مع إحدى الصفحات "الفيسبوكية" لغرض الشراء، يقترب الطرفان الآن من الاتفاق على إيجار شهري مقابل عرض أنشطة حزبه وتصريحات قياداته المختلفة من خلال الصفحة ذاتها، بحسب المصادر. ولفتت المصادر إلى أن إحدى الكتل السياسية أيضاً فتحت قنوات تواصل مع صفحات عدة على موقع التواصل الاجتماعي، أملاً بالاتفاق مع واحدة منها، كاشفة أن عدداً من مسؤولي تلك الصفحات دخلوا فعلاً في مفاوضات مع الكتلة حول السعر أو نوع الترويج والمحتوى الذي ترغب في تقديمه في حال كان الأمر مقتصراً على إيجار شهري. 

من جهته، أوضح عضو في برلمان إقليم كردستان العراق في أربيل أن حزباً رئيسياً في السليمانية توصل فعلاً إلى اتفاق مع صفحة مليونية متحدثة بالكردية، لعبت في شهر تشرين الثاني الماضي دوراً في الحراك الشعبي في مدن السليمانية ورانية وحلبجة ضد السلطات المحلية، وذلك لشرائها بمبلغ ضخم. وكشف المصدر أن أحد المسؤولين في الصفحة نفسها كان تعرّض للاعتقال خلال تظاهرات السليمانية، وأطلق سراحه، لذا فإن سبباً آخر لشراء هذه المنصة قد يكون تحييدها.

وفي هذا السياق، أكد شجاع الخفاجي، مسؤول صفحة "الخوّة النظيفة"، وهي من أبرز الحسابات العراقية على "فيسبوك"، لا سيما من حيث عدد المتابعين؛ بأكثر من ثلاثة ملايين متابع، أن "الصفحة لا تزال تتلقى مخاطبات عديدة من قبل جهات سياسية، منذ تأسيسها عام 2012، تطالبها بالترويج والدعم لرموزها، مقابل مبالغ مالية ومغريات وظيفية أيضاً، ولكننا لم نتعامل مع جهةٍ حزبية بتاتاً، وكان الرفض هو جوابنا الدائم، ولذلك تعرضنا لأبشع الهجمات الإلكترونية التي أدت إلى إغلاق الصفحة عام 2016، كما تعرضنا للتشهير وتشويه السمعة والطعن بنا من قبل هذه الأحزاب بسبب رفضنا لمطالبها". وبيّن الخفاجي أن "هذه الأحزاب والجهات السياسية تلجأ إلى الصفحات المليونية بسبب تأثيرها على الجمهور، كما أن لصفحة الخوة النظيفة تأثيرها العالي، باعتبارها تمتلك مصداقية في نشر الأخبار والأحداث اليومية".

إلى ذلك، أكّد عضو البرلمان العراقي باسم خشان أن "بعض الكتل السياسية المدعومة من أحزاب حاكمة في البلاد تسعى منذ أشهر إلى شراء الصفحات المليونية أو مساحات إعلانية فيها، مقابل مبالغ ليست قليلة، ما يؤكد النيّة المسبقة لاستمرار ممارستها للفساد مستقبلاً". ورأى الخشان،أن "الكتل السياسية الرئيسية في البلاد، والتي استحوذت على الأموال المسروقة من الدولة والشعب، تُصادر حق السياسيين المستقلين عبر الاستيلاء على كل أشكال الإعلام والصحافة".

أما الناشط والصحافي من بغداد، علي عباس، فأشار إلى أن "الأحزاب السياسية العراقية كلّها تمتلك العشرات من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تُسخّر كوادرها في سبيل مواصلة النشر والترويج لها، كما أن غالبية العاملين في هذه الصفحات يتقاضون أجوراً معظمها من الدولة العراقية، ويسعون إلى توجيه الرأي العام نحو ملفات معينة، ولكن غالبيتهم يفشلون في تحقيق أهدافهم الإعلامية، فيما تنجح الصفحات المستقلة والمدنية، التي تستخدم خطاب النقد الهادف ضد كل الجهات الحاكمة في العراق". ولفت عباس إلى أن "الأحزاب، وحتى لو تمكنت من شراء بعض الصفحات المؤثرة، فإن المتابع العراقي سيكتشف ذلك، لا سيما أن العراقيين باتوا حسّاسين تجاه كلّ أشكال الخطاب السياسي ومدركين له".

ويعترف باحثون ومراقبون للشأن السياسي وناشطون بأهمية مواقع التواصل الاجتماعي في الحياة السياسية بالعراق، نظراً لاستخدام العراقيين بكثافة هذه البرامج والتطبيقات والمنصّات والمواقع، وأبرزها "فيسبوك"، لدرجة أن هذا الاستخدام فاق متابعتهم لكل المحطات الفضائية المملوكة للأحزاب والجهات السياسية وبعض رجال الأعمال الذين لديهم أذرع سياسية. 
واعتبر الباحث في الشأن السياسي نجم القصّاب أن "اتجاه الكتل والأحزاب إلى مواقع التواصل الاجتماعي يكشف الفجوة التي تعيشها هذه الأحزاب بينها وبين العراقيين الذين باتوا لا يطالعون البرامج الانتخابية والسياسية للأحزاب، ولديهم انعدام ثقة بالكتل السياسية، ما يدفع هذه الكتل للوصول إلى الناس من خلال طرق أبواب التطبيقات الإلكترونية عسى أن تؤدي إلى إحداث نوع التأثير الذي ترغب به". وأكد القصّاب أن "الأحزاب المتنفذة في العراق لم تنجح في كسب ثقة العراقيين عبر وسائل الإعلام المعروفة مثل الصحف وقنوات التلفزة والإذاعات، لذلك فهي تسعى إلى اقتحام فيسبوك، لكن المؤسف هو أن الجمهور العراقي قد يكون من السهل عليه أن يكون ضحية النسيان، أي أن ينسى عدداً كبيراً من الأزمات التي مرّت وتمر بها البلاد، ما يفتح إمكانية أن تؤثر ألاعيب الأحزاب به".

المصدر :