أنهت خلية الأزمة الحكومية التي شكّلها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الأسبوع الماضي، لقاءاتها في مدينة الناصرية، العاصمة المحلية لمحافظة ذي قار، جنوبي البلاد، من دون أي نتائج تذكر باستثناء نشر لواءين من قوات الجيش والشرطة الاتحادية في مركز المدينة، بعد إعلان اللجان التنسيقية في ساحة الحبوبي، مركز الاعتصامات الرئيسي في ذي قار، رفضها التفاوض مع الحكومة على رفع خيم الاعتصام، في تأكيد جديد على أنّ حكومة الكاظمي ضغطت لإنهاء اعتصام واحتجاجات الناصرية، أسوة بما حدث في بغداد والبصرة الشهر الماضي، من دون التطرق إلى المتورطين بقتل المتظاهرين يوم الجمعة الماضي.

وأجرت اللجنة التي تتألف من مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي ورئيس جهاز الأمن الوطني الفريق أول الركن عبد الغني الأسدي، وقائد عمليات سومر للجيش العراقي اللواء الركن عماد مجهول، وممثل قيادة العمليات المشتركة اللواء سعد نعيم، لقاءات عدة في ذي قار، أبرزها مع حكومة المحافظة المحلية، ومجلس شيوخ ووجهاء وأعيان ذي قار، ورجال دين، بينهم ممثل المرجع الديني علي السيستاني، فضلاً عن قيادات أمنية مختلفة، قبل أن تجري لقاءات مع ممثلين عن الناشطين في المدينة.
وعقب اللقاء، أصدرت لجنة التنسيقيات في المحافظة بياناً حمل نقاطاً عدة، كانت أبرزها المطالبة "بحماية مداخل ساحة الحبوبي مع التمسك بعدم المفاوضة بشأن رفع الخيم، وأن المتظاهرين حصراً من يقرر في هذا الخصوص"، إضافة إلى "محاسبة من تسبب بأحداث يوم الجمعة الماضي"، في إشارة إلى اتباع زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر. كما طالبت اللجنة بإقالة الحكومة المحلية وعلى رأسها المحافظ لتقصيرها الواضح في الأداء، ولا سيما في ما يتعلق بالملف الأمني والخدمي، والكشف عن مصير الناشط المختطف سجاد العراقي، الذي مضى نحو 3 أشهر على اختطافه من قبل مليشيا مسلحة في المحافظة.
كما تضمّن البيان طلباً جديداً هو إبعاد "الأحزاب كافة عن المؤسسات الأمنية وإعادة النظر في بعض الرتب في الأماكن الأمنية الحساسة"، فضلاً عن "إسقاط التهم الكيدية عن المتظاهرين السلميين وإخراج المعتقلين الذين لفقت ضدهم دعاوى كيدية". وبحسب البيان، فإن المتظاهرين أكدوا أيضاً على المطالب السابقة العامة للعراق كله، وهي "تثبيت موعد الانتخابات المبكرة استنادا للمادة (64) من الدستور، وشمول الشهداء من المتظاهرين والجرحى بكافة امتيازات وحقوق الشهداء، وتعديل قانون الأحزاب والتصويت عليه وإرساله إلى البرلمان".

ميدانياً، توزعت قوات الجيش والشرطة الآتية من بغداد في مدينة الناصرية، وتحديداً في مناطق الزيتون والنصر وأحياء الوحدة والإسكان والشموخ والشارع العام المؤدي لمبنى المحافظة، بينما فرضت على ساحة الحبوبي ثلاثة أطواق أمنية وتم وضع نقاط مراقبة. وبحسب ناشطين اثنين تحدثا لـ"العربي الجديد"، فقد أعاد المتظاهرون نصب 7 خيام جديدة لغاية الآن بدلاً من تلك التي تم إحراقها من قبل أتباع الصدر يوم الجمعة الماضي، كما وصلت إلى الساحة تبرعات من قبل مواطنين متعاطفين ومؤيدين للمتظاهرين لشراء خيم أخرى. كذلك، شوهدت عملية بناء لغرف من "البلوك"، يقول ناشطون إنها تحميهم من رشقات الرصاص والبرد أيضاً، في تأكيد آخر منهم على أنهم مصرون على البقاء وعدم الانسحاب من الساحة.
وعن تفاصيل اللقاء الذي جمع الناشطين بالوفد الحكومي، قال الناشط علي اللامي،، إنهم ناقشوا نقاطاً عدة "باستثناء الانسحاب من الساحة أو تعليق الاعتصام الذي جاء الوفد من أجله، فقد تم رفض مناقشة الموضوع معهم كونه أمراً مستحيلاً". وأضاف أنّ "الحديث عن وجود أزمة في المدينة هو خبث من الحكومة والأحزاب، ولم يكن هناك شيء يذكر قبل مهاجمة أنصار الصدر للمتظاهرين وإراقة دمائهم في الساحة. لذا على الحكومة أن تترك المتظاهرين والمعتصمين يمارسون حقهم بالتظاهر والاحتجاج، وإذا أرادت أن تحترم نفسها فعليها أن تلاحق من قتل الشبان يوم الجمعة الماضي ونكب أمهاتهم".
ورأى أنّ وجود الأطواق الأمنية حول الساحة "إجراء ممتاز لنا كمتظاهرين، وفي الوقت نفسه يشير بوضوح إلى الجهة المتورطة في الهجوم"، في إشارة إلى أن الحكومة تعرف من المسؤول عن الهجوم على الساحة. وتساءل اللامي عن "سبب الإعلان عن كل لقاءات الوفد الحكومي في المدينة باستثناء تلك التي جرت مع الشخصيات الصدرية التي تم اللقاء بها بشكل غير معلن".
ولم يصدر عن خلية الأزمة الحكومية أي بيان أو تصريح رسمي، باستثناء ما جاء على لسان رئيس جهاز الأمن الوطني عبد الغني الأسدي، الذي قال في ختام لقائه مع المتظاهرين والناشطين الذين يمثلون مدناً عدة بمحافظة ذي قار، إنّ "صوتكم وصل لأعلى السلطات، وهي متفهمة لمطالبكم وتعمل على حلها بأقرب وقت"، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء العراقية. ودعا الأسدي إلى "الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعكر الأمن والاستقرار في الناصرية"، مشدداً على "أهمية الحديث بلغة مشتركة للوصول إلى حلول مرضية".

في السياق، قال عضو الحزب الشيوعي العراقي حسام الصفار، إن "الوفد الحكومي أدرك أنّ الضغط أو محاولة استفزاز المتظاهرين ليست في صالح الحكومة، ولا عموم الوضع في مدن الجنوب التي تغلي بسبب الفقر والبطالة وسوء الخدمات وتفشي كورونا"، مضيفاً أنّ "فرض الأطواق العسكرية يأتي بسبب التخوف من أنّ الصدريين سيهاجمون مرة أخرى المتظاهرين بأي وقت".
ورأى الصفار أنّ الكاظمي "لا يريد خسارة مقتدى الصدر كطرف قريب منه، على عكس باقي القوى كتحالف الفتح ودولة القانون، لذا تجنّب الإشارة إلى مقتلة الناصرية يوم الجمعة الماضي، التي نفذها الصدريون"، مضيفاً أنه "من المتوقع أن تبقى الحكومة تماطل وتلف وتدور في موضوع التحقيق بجريمة الجمعة الدامية بالناصرية على غرار جرائم أخرى ارتكبت وعجزت عن تقديم مرتكبيها للقضاء على الرغم من معرفتها المسبقة بهم". وأكد أنّ "نجاح الحراك الحالي في تنشيط باقي ساحات الاحتجاج في الجنوب والوسط العراقي وارد جداً، في حال حصول أي هجوم آخر على متظاهري الناصرية، لذا من المرجح أن تحاول حكومة الكاظمي إقناع الصدر بالعدول عن استعداء المتظاهرين، بعد فشلها في فض الاعتصام والتظاهر في ساحة الحبوبي".

المصدر :