تحوّلت الحكومة العراقية إلى أداة ضغط على المتظاهرين في مدينة الناصرية، عبر محاولة إقناع المحتجين بمغادرة ساحة الحبوبي، ولو بشكل مؤقت، وذلك بعد أن نصح زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر "المعتصمين بأن يعودوا إلى منازلهم سالمين آمنين". ويأمل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بالحصول على تهدئة سريعة في مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار، تحسّباً من نجاح لجان التنسيقيات في المحافظة بتحريك ساحات التظاهر الأخرى جنوب العراق، خصوصاً كربلاء والنجف والبصرة، بعد أن تحركت فعلاً مدينة الكوت، متفاعلة مع أحداث الناصرية. 
وحتى مساء أمس الأحد، بلغت حصيلة الضحايا 11 متظاهراً، منهم 8 في الناصرية، بعد وفاة واحد متأثراً بجروحه، بينما سُجل سقوط ثلاثة شهداء في مدينة الكوت مركز محافظة واسط المجاورة، بينهم ناشط أضرم النار بنفسه احتجاجاً على القمع الذي تعرض له ناشطو الناصرية. وكانت ساحة الحبوبي قد شهدت هجوماً جديداً، فجر أمس، من قبل مسلحين يستقلون سيارات رباعية الدفع أطلقوا النار بشكل عشوائي على الخيام التي أعاد المتظاهرون نصبها بدلاً عن التي تم إحراقها. ومن المنتظر أن يلتقي اليوم الاثنين وفد حكومي، بينهم مستشارون في مكتب الكاظمي، مع ممثلين عن المتظاهرين، بعد اجتماعات متفرقة جرت، أمس الأحد، مع مسؤولي المحافظة وزعماء وشيوخ عشائر بحثاً عن تهدئة. 
ووفقاً لمصادر محلية في مدينة الناصرية، فإن الوفد الحكومي يسعى لتأمين لقاءات مع الناشطين الفاعلين، أملاً بإقناعهم بالتخلي عن العودة لساحة الحبوبي، وتعليق أنشطتهم الاحتجاجية والاعتصام ولو بشكل مؤقت، وذلك بعد تسلم الوفد الحكومي معلومات تؤكد أن أنصار الصدر يرفضون عودتهم، ويهددون بمهاجمة الساحة واقتلاع الخيام بالجرافات مجدداً. لكن من غير المرجح قبول النشطاء بخيار التراجع عن التظاهر أو تنظيم الاعتصام مجدداً في ساحة الحبوبي، خصوصاً بعد سقوط هذا العدد من الضحايا وصدور بيانات من قبل عشائر بارزة بمحافظة ذي قار تندد بالاعتداء عليهم.
ووفقاً لناشط بارز في مدينة الناصرية، طلب عدم ذكر اسمه بسبب ما سماه "عودة عمليات الغدر"، فإن المتظاهرين طالبوا الحكومة المحلية وقيادة الشرطة بحمايتهم لممارسة حقهم بالاحتجاج وفقاً للدستور والقانون، وألا تكون القوات التي وصلت إلى المدينة لقمع الناس بل لحمايتهم. وأكد أن خيار تعليق الاعتصام وإغلاق ساحة الحبوبي غير مطروح، وسيكون هذا الجواب الأخير للمحتجين.
في المقابل، تشير تسريبات صحفية إلى أن عدة مدن جنوبية، أبرزها النجف وكربلاء والبصرة، قد تنضم إلى التصعيد الشعبي تضامناً مع الناصرية والكوت، وذلك بعد إعادة تفعيل عدد من مجموعات "واتسآب"، و"فيسبوك"، التي كانت محركاً مهماً للاحتجاجات الشعبية جنوب العراق.
وفي أحدث موقف معلن له، دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر متظاهري الناصرية إلى "العودة لمنازلهم سالمين آمنين". وكتب الصدر، في تغريدة: "يجب أن يعم السلام والأمن في الناصرية الفيحاء. وعلى أهالي الناصرية ألا يتصارعوا فيما بينهم. وإن كان هناك من يزعزع أمنها، من أي طرف كان ولا يحترم هيبة الدولة، فعلى الحكومة المركزية التعامل معه. فالحكومة المحلية إما متخاذلة أو خائفة مع شديد الأسف". وأضاف "أنصح المعتصمين بأن يعودوا إلى منازلهم سالمين آمنين، فهم بحاجة إلى تنظيم صفوفهم من أجل العملية الديمقراطية القادمة. ولنتآخى من أجل العراق انتخابياً، ونفوّت الفرصة على المتربصين، أمثال الاحتلال والإرهابيين والفاسدين والتبعيين والمتشبهين بالجوكر".
وكان الكاظمي قرر، عقب سقوط ضحايا بنيران أتباع الصدر في الناصرية، تشكيل لجنة "فريق أزمة الطوارئ". وقال، في بيان أمس الأول، إن "اللجنة العالية المستوى من الحكومة المركزية بعنوان فريق أزمة الطوارئ، يمنح صلاحيات إدارية ومالية وأمنية لحماية المتظاهرين السلميين، ومؤسسات الدولة، والممتلكات الخاصة، وقطع الطريق أمام كل ما من شأنه زرع الفتنة". وبحسب البيان فقد استحدثت الحكومة العراقية لجنة جديدة، باسم "خلية الأزمة في ذي قار"، وتضم مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي، ورئيس جهاز الأمن الوطني عبد الغني الأسدي، واللواء في قيادة العمليات المشتركة سعد نعيم عبد الله، وقائد عمليات سومر عماد صميدع، ومدير شرطة ذي قار الجديد عودة سالم. 
وتسعى اللجنة المكلفة بإدارة الأزمة في ذي قار إلى إرضاء المتظاهرين، "والعمل على شراء بعضهم"، بحسب تعبير الناشط علي الغزي، وهو من مدينة الناصرية. وقال الغزي، إن "اللجنة الجديدة التي وصلت إلى الناصرية أخيراً تشبه كل اللجان التي وصلت خلال الأشهر الماضية، والتي سبقتها في حكومة عادل عبد المهدي، وهي تهدف إلى شراء بعض المتظاهرين بالمال السياسي الفاسد، ومحاولة إقناع المحتجين بالعودة إلى المنازل، وإفراغ الساحة من أي مظهر احتجاجي. ولا تتحدث اللجنة عن القتلة الذين فتحوا النار على المتظاهرين". وبين أن "اللجان الحكومية تعرف الرد الدائم لمتظاهري الناصرية، وأنهم لا يرضخون لأي ضغوط، ولا حياد أو انسحاب من ساحة الحبوبي مهما كلف ذلك من دم".
في غضون ذلك، أكدت مصادر أمنية من الوفد الحكومي أن "القادة الأمنيين الذين زاروا المدينة لم يتمكنوا من الحصول على أي لقاء بالمتظاهرين في الناصرية، بعد سلسلة دعوات من أجل أخذ إفادات أو التعرف على مطالب المحتجين". وبينت،، أن "الوفد اكتفى بمتابعة أوراق حادثة جريمة الصدريين، التي وقعت في ساحة الحبوبي الجمعة الماضية، ويأمل أن ينجح الإثنين بعقد لقاءات مع عدد من الناشطين الفاعلين على الأرض".
وبالرغم من اشتداد المواجهة بين الصدريين والمتظاهرين، إلا أن الحدث لم يشهد أي تفاعل سياسي. وحتى إن غالبية البرلمانيين والحزبيين في البلاد يرفضون أي طلب للصحافة للتعليق على ما حصل في الناصرية. وقال الناشط السياسي وعضو الحزب الشيوعي العراقي أيهم رشاد إن "الكتل السياسية في العراق تنصلت مما يحدث في الناصرية، وتغول الصدريين على المتظاهرين السلميين". وأوضح، أن "جميع السياسيين العراقيين يتحاشون الاصطدام مع الصدر، وبعضهم له تجارب مرة في مهاجمته، وآخرهم كان السياسي بهاء الأعرجي الذي ما إن انتقد الصدر حتى هجمت المليشيات الموالية للأخير منزل الأول، ودمرته بالرصاص".
من جانبه، أكد النائب باسم خشان أن "الكثير من الأحزاب السياسية لم تستنكر الجرائم التي تحدث في الناصرية، لأنها كانت جزءاً من القمع الحكومي ضد المتظاهرين. وبالتالي فإن صمتها الحالي يعني أنها مؤيدة للدماء التي تسيل من المتظاهرين السلميين". وأوضح، أن "إصرار التيار الصدري على إنهاء الاحتجاجات في جنوب العراق، وتحديداً في الناصرية، كشف حقيقة أن التيار لا يهتم إلا لمكاسبه الحزبية وتقديمها على المصلحة الوطنية. وبالرغم من ذلك، فإن الصدريين حالياً في موقف خاسر، ولا سيما مع استمرار الانشقاقات داخل صفوفهم بسبب تناقض المواقف بشأن الاحتجاجات". وفي ما يتعلق بمواقف الكاظمي من الأزمة، أشار خشان إلى أن "الكاظمي ضعيف جداً أمام كل ما يحدث. فقبل أشهر تورط الكاظمي بتعليق مدح فيه الصدر ووصفه بأنه سيد المقاومة، وبالتالي فإن الهجوم على الصدر أو الصدريين سيضع رئيس الحكومة في موقف متناقض، ويعرضه إلى الخسارة. كما أن الكاظمي يريد أن يبقى محافظاً على العلاقة بالصدر، لفترة ما بعد الانتخابات المقبلة، وهو يأمل أن يحصل على ولاية ثانية من خلال الصدر".

المصدر :