نشرت منظمة العفو الدولي، "أمنيستي"، الثلاثاء، تقريراً حول النازحين العراقيين، فيما وجهت طلباً لحكومتي بغداد وأربيل حذرت فيه من ما أسمته "بذور العنف".
وذكرت المنظمة في تقرير، أن "آلاف النازحين العراقيين المشتبه في صلاتهم مع الجماعة المسلحة التي تُطلق على نفسها اسم تنظيم داعش، والذين سبق أن تعرضوا للاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والمحاكمات الجائرة، أصبحوا اليوم عُرضةً لمزيد من المخاطر، نظراً لمضي السلطات العراقية قُدماً في إغلاق مخيمات النازحين، بالرغم من شتى العقبات التي تعترض عودتهم بشكل آمن وكريم ومُستدام".
وكشف تقرير المنظمة، الصادر بعنوان "موصومون مدى الحياة: العراقيون النازحون في حلقة مُفرغة من الانتهاكات والمعاناة"، كيف تواصل سلطات الحكومة العراقية المركزية، وكذلك حكومة إقليم كردستان، وصمَ النازحين المشتبه في صلاتهم مع تنظيم "داعش"، فتمنع أو تعوق حصولهم على الوثائق المدنية، التي تُعتبر ضرورية للتوظيف والتعليم، ولتلقي الخدمات والمزايا التي تقدمها الدولة، وكذلك لحرية التنقل، ولا يزال أفراد آلاف العائلات في شتى أنحاء العراق يجهلون مصير ومكان ذويهم الذين اختفوا".
وأضاف، أنه "خلال الأسابيع الأخيرة، مضت السلطات العراقية قُدماً في إغلاق مخيمات النازحين، فأغلقت حتى الآن مخيمات في بغداد، وفي محافظتي نينوى وكربلاء، بالإضافة إلى مخيمات أخرى؛ مما يُعرِّض للخطر فعلياً آلاف النازحين الذين انتهى بهم المطاف بالعيش في ملاجئ محفوفة بالخطر، أو تتم إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية؛ بالرغم من مخاوف بعضهم بأنهم لن يكونوا في أمان هناك".
وتعليقاً على ذلك، قالت لين معلوف، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، إنه "يجب على السلطات العراقية وحكومة إقليم كردستان معالجة مسألة العقاب الجماعي المستمر للنازحين  الذين يشتبه في أن لهم صلات مع تنظيم داعش، باعتبار ذلك جزءاً لا يتجزأ من أي خطة وطنية لإغلاق المخيمات، التي تُعتبر حالياً الملاذ الوحيد لآلاف الأشخاص. فمعالجة هذه المظالم هي السبيل الوحيد لضمان عودة النازحين بشكل آمن وكريم، وبخلاف ذلك فسوف يستمر خطر ترسيخ أنماط الأفعال التي تُعد بمثابة بذور لمزيد من حلقات العنف في المستقبل".
وأضافت لين معلوف قائلةً: "حتى يتسنى منع وقوع مزيد من حلقات الانتهاكات، يتعيَّن على السلطات العراقية أن تضمن ألا يتعرض أي شخص للعقاب بسبب جرائم الآخرين؛ وأن بإمكان جميع العراقيين الحصول على الوثائق المدنية؛ وأن يتم الإفصاح عن مكان الأشخاص المختفين. وينبغي أن تُتاح للنازحين داخلياً فرصة حقيقية للاختيار فيما يخص مستقبلهم، وأن تتم أي عمليات إعادة للنازحين بشكل كريم وآمن ومستدام".
وتستند النتائج التي توصلت لها منظمة العفو الدولية بحسب تقريرها إلى بحوث عن بُعد وبحوث ميدانية أُجريت خلال الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني 2018 إلى أكتوبر/تشرين الأول 2020، حيث أجرت المنظمة مقابلاتٍ فردية مع 119 من النازحين داخلياً، وزارت سبعة من مخيمات النازحين داخلياً، كما أجرت مقابلات مع 15 من العاملين في مجال المساعدات الإنسانية، ومع مسؤولين في هيئات الأمم المتحدة. ووثَّقت المنظمة حالات 67 شخصاً، بينهم 61 رجلاً وثلاث نساء وثلاثة صبية كانوا دون سن الثامنة عشرة وقت القبض عليهم، ممن قُبض عليهم للاشتباه في أن لهم صلات مع تنظيم "داعش" ثم تعرضوا للاختفاء بين عامي 2017 و2019 على أيدي قوات الجيش العراقي وقوات الأمن العراقية.
الحرمان من المستقبل الآمن
وتابع تقرير العفو الدولية، أنه "لطالما واجه الأشخاص المشتبه في صلاتهم مع تنظيم "داعش"، وكذلك أقاربهم الذين يتعرضون للوصم والعقاب على حد سواء، عقباتٍ شتى في استخراج أو تجديد أو استبدال الوثائق المدنية، وقد دأب أفراد قوات الأمن المتواجدون في مديريات الأحوال المدنية على مضايقة وترهيب أولئك الأشخاص، الذين قال كثيرون منهم إنهم لن يحاولوا مرة أخرى الحصول على وثائقهم المدنية لكي يتجنبوا تلك المعاملة".
وبين أنه "من شأن قيام السلطات بوصم شخصٍ ما بأنه مُشتبه في انتمائه إلى تنظيم داعش أن يجعله عُرضة للعنف، أو للنزوح مرة أخرى، أو لعوائق أخرى تحول دون تمتعه بمستقبل آمن، حتى وإن كان قد صدر حكم ببراءته من ارتكاب أي جريمة".
ونقلت العفو الدولية عن "عبد"، البالغ من العمر 23 عاماً، والذي أُفرج عنه من حجز قوات "أسايش" (وهي قوات الأمن الأساسية في حكومة إقليم كردستان)، بعد أن ظل محتجزاً هناك حوالي ثلاث سنوات، إلى أن أصدرت محكمة في إقليم كردستان العراق حكماً ببراءته من الانتماء إلى تنظيم "داعش" لعدم وجود أدلة، قوله إنه "الآن يخشى على سلامته، وأنه في العراق، ليس هناك ما هو أشد ولا أخطر من أن يصفكَ أحدُهم بأنك داعشي فهذه الكلمة كفيلة بالقضاء عليك... دائماً ما كنتُ أحلم بحياة طبيعية، ولكن الآن أصبحنا جميعاً في مرمى نيران القنَّاصة".
وأعرب جميع الرجال والصبية الذين أُفرج عنهم من الحجز في إقليم كردستان العراق، ممن تحدثوا إلى منظمة العفو الدولية، عن تخوفهم من أن يُعاد اعتقالهم مجدداً على أيدي قوات الأمن التابعة للحكومة العراقية المركزية، وأن يتعرضوا للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة والمحاكمات الجائرة، إذا حاولوا العودة إلى ديارهم في محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين. وتنبع هذه المخاوف في معظمها من الأنباء عن إعادة القبض على أقارب وأصدقاء، وعلى رجال وصبية آخرين سبق أن قبضت عليهم سلطاتُ حكومة إقليم كردستان العراق ثم أفرجت عنهم، كما تنبع من التهديدات التي تُوجه إلى عائلاتهم في مناطقهم الأصلية. وقد قُبض على أولئك الأشخاص عند نقاط تفتيش على مشارف مناطقهم الأصلية، أو بعد وقت قصير من وصولهم إلى مناطقهم الأصلية. وعادةً ما كانت معظم عمليات القبض تُنفَّذ على أيدي "جهاز الأمن الوطني"، وإن كانت قوات أخرى قد شاركت في تنفيذ القبض، بما في ذلك "وحدات الحشد الشعبي" والمخابرات العسكرية.
وفي مقابلات لمنظمة العفو الدولية ـــ مع معتقلين سابقين وأهالي أشخاص قُبض عليهم بسبب الاشتباه في انتمائهم إلى تنظيم "داعش"، وكذلك مع بعض النساء المعيلات لأُسر، ممن فُقد أقاربهن الذكور أو قُتلوا خلال النزاع مع تنظيم "داعش"، ومن ثم أصبحن من المشتبه في أن لهم صلات مع هذا التنظيم ـــ قال هؤلاء إنهم يشعرون بأن مخيمات النازحين داخلياً في إقليم كردستان العراق وفي محافظة نينوى، حيث يقيمون، هي الملاذ الوحيد لهم بالنظر إلى مخاطر الانتهاكات التي يتعرضون لها خارج المخيمات.
وقالت لين معلوف: "إن الحكومة العراقية ترغب في إعادة النازحين داخلياً بإخراجهم من المخيمات التي يقيمون فيها حالياً، وذلك في إطار سعيها إلى طي هذه الصفحة المؤلمة من صفحات النزاع. ولكن، يتعيَّن عليها وهي تقوم بذلك ألا تُعرِّض هؤلاء العائدين للخطر".
القبض التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب
وأشار التقرير إلى أنه في سياق القتال ضد تنظيم "داعش"، قبضت سلطات الحكومة العراقية المركزية، وحكومة إقليم كردستان، على بعض النازحين داخلياً، من الرجال والصبية، عند نقاط التفتيش، ومن الخطوط الأمامية، وخلال عمليات عسكرية، وفي مخيمات النازحين، وكذلك في مناطقهم الأصلية بعد عودتهم، وتعرَّض رجال وصبية، لا تزيد أعمارهم عن 14 عاماً، للاحتجاز التعسفي والتعذيب والمحاكمات الجائرة على أيدي سلطات حكومة إقليم كردستان، كما قبضت قوات الأمن العراقية على رجال ونساء وصبية ثم اختفوا بعد ذلك، وكان من شأن هذه الأفعال أن تجعل المعتقلين المُفرج عنهم، بما في ذلك منْ صدرت أحكام ببراءتهم أو أُطلق سراحهم بدون تهمة، وكذلك أهاليهم وأهالي المختفين، عاجزين عن التخلص من الوصمة التي لحقت بهم، وأصبحت تمثل عائقاً أمام آمالهم في مستقبل آمن.
ومن بين 115 حالة وثَّقتها منظمة العفو الدولية في تقريرها، اعتقلت قوات "أسايش" 48 من الرجال والصبية، بينما تعرَّض 67 شخصاً في محافظة نينوى للاختفاء القسري على أيدي قوات الجيش العراقي وقوات الأمن العراقية.
ولم يكن أفراد قوات "أسايش" الذين ينفِّذون عمليات القبض يقدمون أي سبب للقبض، وكانوا يكتفون بالقول بأن اسم الشخص المعني ورد في "قائمة المطلوبين".
وقال عدد من المعتقلين السابقين إن المحققين أبلغوهم بأن القبض عليهم كان بناءً على بلاغات من مخبرين. وأبلغ أفراد "أسايش" أحد الأشخاص بأنهم يقبضون عليه لأن أحد أبنائه مفقود، ويُفترض أنه انضم إلى تنظيم "داعش ".
وأكمل التقرير أنه "في بعض الحالات، كانت قوات الأمن العراقية تعتدي بالضرب على منْ يتم اعتقالهم، ثم تضعهم مُكبلين ومعصوبي الأعين في أوضاع مؤلمة وتجرُّهم بعيداً، ويُعد هذا على الأرجح نوعاً من التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة بموجب القانون الدولي".
وذكر جميع الرجال والصبية الذين احتجزتهم قوات "أسايش" أنهم تعرضوا للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة في محاولة لانتزاع "اعترافات" منهم. وتعرَّض كثيرون منهم للضرب بالقبضات والمواسير والخراطيم، بينما هُدد شخص منهم بتعريض أقاربه الإناث للعنف الجنسي.
وأوضح تقرير منظمة العفو الدولية أن "رجالاً وصبيةً احتُجزوا في مراكز احتجاز لعدة أسابيع، بل وشهور، دون إحالتهم إلى سلطات قضائية".
وفي كثير من الأحيان، أكد التقرير أنه "أُدين معتقلون ممن أُحيلوا إلى المحاكمة في أربيل بموجب "قانون مكافحة الإرهاب" الساري في إقليم كردستان العراق، والذي يتسم بصياغاته المبهمة. ولم تفِ هذه المحاكمات بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، ولا بالمعايير الدولية لعدالة الأحداث في حالة منْ ينطبق عليهم ذلك. وسواء أكان المعتقلون السابقون قد أُطلق سراحهم بدون توجيه تهم لهم، أو صدرت أحكام ببراءتهم، أو أُفرج عنهم بعد قضاء أحكام السجن الصادرة ضدهم، فقد واجهوا قيوداً تعسفية على التنقل.
وأشارت المنظمة الدولية، إلى أنه "يتعيَّن على العراق، باعتباره من الدول الأطراف في (الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري)، أن يجري تحقيقات وأن يقدم إلى ساحة العدالة كل من يرتكب جريمة الاختفاء القسري، أو يأمر أو يوصي بارتكابها أو يحاول ارتكابها، ويجب على السلطات أن تبادر على الفور بوضع حدٍ لممارسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وأن تضمن أن تكون الظروف التي يُحتجز فيها المعتقلون كريمةً وبناءةً لسلامتهم العقلية والبدنية.
كما دعت منظمة العفو الدولية سلطات الحكومة العراقية المركزية وحكومة إقليم كردستان إلى ضمان التواصل الفعَّال فيما بينهما بشأن المعلومات المتعلقة بحالات القبض على أشخاص، أو إدانة أشخاص، أو الحكم ببراءة أشخاص، أو الإفراج عن أشخاص سبق القبض عليهم أو محاكمتهم في شتى أنحاء العراق.
ويُذكر أنه سبق لمنظمة العفو الدولية أن وثَّقت بشكل مكثَّف جرائم تنظيم "داعش" في العراق، وبعضها يُعد بمثابة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتقرُّ المنظمة بأن أنشطة تلك الجماعة المسلحة لا تزال تشكل خطراً على أرواح المدنيين في العراق حالياً. كما تقرُّ المنظمة بالتحديات الكبيرة التي تواجهها حكومة إقليم كردستان والسلطات العراقية، وبواجبهما في حماية أمن جميع المدنيين في أراضيهما، وفي ضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات من أفراد تنظيم "داعش". إلا إن منظمة العفو الدولية لا تزال تشعر بالقلق البالغ بشأن تقاعس السلطات عن إجراء محاكمات عادلة للمشتبه في انتمائهم إلى تنظيم "داعش"، على نحو يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وبدون اللجوء إلى عقوبة الإعدام، وكذلك بشأن تقاعسها عن محاسبة أفراد قوات الأمن العراقية، أو قوات الأمن التابعة لحكومة إقليم كردستان، المسؤولين عن ارتكاب جرائم معترفٍ بها دولياً.
واختتمت لين معلوف تصريحها قائلةً: "إن إجراء محاكمات عادلة وفعَّالة تتسم بالشفافية للمسؤولين عن الجرائم التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع يُعتبر عنصراً أساسياً يوفر للسلطات قاعدةً مستدامة للتغلب على التركة المدمِّرة لتنظيم داعش".

المصدر :