أي لبنان، وأي اقتصاد للبنان، اذا ما ذهبت لعبة الدومينو الى نهايتها : «اسرائيل» الكبرى؟!

ليس بالمعنى الجغرافي الكلاسيكي الذي دونه المشكلة الديموغرافية، وانما بالمعنى الاستراتيجي، حيث للمشرق العربي، وصولاً الى مصر والسودان، وحتى الى المغرب وموريتانيا، أن يدور حول... أرض الميعاد.

لن نبكي على الأطلال (وكلنا أطلال). حين كان «الاسرائيليون» يبنون دولة، بكل ديناميات الدولة الحديثة، كان اللبنانيون يهدمون الدولة حجراً حجراً، وبتواطؤ من الجميع دون استثناء.

وحين كنا نرى رؤساء دولة، ورؤساء حكومة، «اسرائيليين» وراء القضبان، أو تحت قوس المحكمة، بدعوى الفساد، كان ملوك الطوائف عندنا، وبأخلاقية ملوك المافيات، يغتصبون المال العام على قرع الطبول...

حتماً، لا تمكن المقارنة بين «اسرائيل»، وحيث المؤسسة اليهودية تضع يدها على نصف الكرة الغربي، ان لم نقل على مفاصل الكرة الأرضية، ولبنان الذي لم يتمكن من تطوير مفهوم التعددية، وتحويله الى ظاهرة عبقرية، في هذا الشرق الذي ما زال رهين الترسبات التراجيدية والغيبية للتاريخ.

اضافة الى كل هذا، الفارق في الموقع. «اسرائيل» بين البحر الأبيض والبحر الأحمر، وتتاخم الأردن، الممر الى العراق والخليج. لبنان بين سوريا التي انقضّ عليها الذئاب من سائر أرجاء الكون، و«اسرائيل» التي طالما رأت فيه النموذج الذي ينبغي تفكيكه كونه يلقي الضوء على البنية الايديولوجية، والبنية السوسيولوجية، للغيتو.

منذ عهد جورج دبليو بوش، والأميركيون يقولون بتغيير الخرائط في الشرق الأوسط. دونالد ترامب التف حول هذه النظرية بتغيير العلاقات والمعادلات، ليسقط العرب في السلة «الاسرائيلية».

مصدر خليجي رفيع المستوى قال لنا ان هناك حكاماً عرباً تلقوا تهديدات مباشرة من دونالد ترامب بازاحتهم عن المشهد اذا لم يبادروا الى اعلان التطبيع مع «اسرائيل» قبل الثالث من تشرين الثاني.

الاستخبارات الأميركية موجودة في الشقوق، وفي غرف النوم، وتحت الملابس الداخلية. الاغتيالات جاهزة اذا لم يحصل التجاوب خلال المدة المحددة. لا تنسوا أن ترامب، حتى ولو سقط في الانتخابات، باق في البيت الأبيض الى 20 كانون الثاني وان بمواصفات البطة العرجاء.

الى هذا الحد وصلت البارانويا لدى الرجل الذي يكاد يعتنق اليهودية للحصول على دعم اللوبي اليهودي باعتباره خشبة الخلاص بعدما أظهرت استطلاعات الرأي وجود فارق يناهز، أو يتجاوز، العشر نقاط بينه وبين منافسه جو بايدن.

عقب تلك التحولات، لا بد أن يكون للصراع في المنطقة شكل آخر، طبيعة أخرى، منحى آخر. أي حكومة يأتي بها الرئيس سعد الحريري يفترض أن تاخذ بالاعتبار التداعيات القصيرة المدى، والتداعيات البعيدة المدى، لما حدث. لبنان أمام اختبار شاق، وطويل، ومعقد، كي لا يتحول الى صومال آخر.

بموازاة اعادة احياء البنية المالية (والاقتصادية) للدولة اعادة اعمار المجتمع اللبناني بعيداً عن الغرائزية، وان كانت الطائفية قد انغرزت، على نحو منهجي (وتاريخي) في اللاوعي العام.

في هذه الحال، ما هي آليات مواجهة الواقع الجديد في المنطقة اذا ما بقي اللبنانيون على تشتتهم، ودائماً على مسافة خطوة واحدة من خطوط التماس ؟ البطريرك الراعي رأى الحل في الحياد. من قال أن لعبة الدومينو التي تحمل معها «صفقة القرن» تتوقف عند حود معينة، أو اذا ما «ذاب» دونالد ترامب في صناديق الاقتراع، ولم تحدث هزة تقلب المشهد رأساً على عقب ؟

في هذا السياق، لا بد من التساؤل عن سبب الاهتمام الأميركي بالاستقرار في لبنان. الخشية من انفجار الخط الأزرق، وسقوط رهانات البيت الأبيض، أم كلام الرئيس ايمانويل ماكرون لنظيره الأميركي «اذا سقط لبنان لا بد أن تجد رجب طيب اردوغان يشق الطريق أمام «داعش» و«النصرة» لترفرف الرايات السود في «الداون تاون».

الحكومة عند المفترق...

المصدر : الديار